-->

كيف أعاد "حميدتي" رسم خارطة الصراع السوداني من قصر موسيفيني؟

تحليل خطاب حميدتي في كمبالا

في لحظة سياسية فارقة من عمر الصراع السوداني الدامي، كسر قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، طوق العزلة الدولية بظهور لافت في مدينة عنتيبي الأوغندية. لم تكن الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي مع الرئيس يوري موسيفيني، بل كانت بمثابة "زلزال دبلوماسي" أعاد ترتيب أوراق الأزمة السودانية على الطاولة الإقليمية. هذا الظهور، وهو الأول من نوعه بهذا الثقل منذ سبتمبر الماضي، جاء محملًا بآلاف الرسائل المشفرة، والاعترافات العسكرية الصادمة، والتحولات في الخطاب السياسي التي تنذر بدخول الحرب السودانية مرحلة "صراع الشرعيات" العابر للحدود.

اعترافات الميدان.. الصراحة الموجعة وتحديات "المسيرات"


لم يكن خطاب حميدتي في كمبالا خطاباً احتفالياً، بل حمل في طياته إقرارات عسكرية غير مسبوقة هزت الأوساط المتابعة. ولأول مرة، اعترف قائد الدعم السريع صراحةً بأن قواته تعرضت لانتكاسات ميدانية كبرى في العاصمة الخرطوم، واصفاً ما حدث بأنه "طرد" وليس "إعادة تموضع" كما كانت تروج آلته الإعلامية سابقاً.

وعزا حميدتي هذا التراجع إلى دخول "الطائرات المسيرة" القادمة من دول مجاورة كعنصر حاسم في المعركة، مؤكداً أن هذه التكنولوجيا هي التي أوقفت تقدم قواته نحو بورتسودان والخرطوم. وفي ذات السياق، فجر مفاجأة من العيار الثقيل بإقراره باستقدام "مرتزقة كولومبيين" كخبراء وفنيين لتشغيل الطائرات المسيرة التابعة لقواته، وهو اعتراف يضع القوات أمام تساؤلات قانونية دولية حول الاستعانة بعناصر أجنبية في نزاع داخلي.

ورغم هذه الاعترافات بالخسائر، حاول حميدتي استعراض القوة البشرية، مشيراً إلى أن قوام قواته قفز من 123 ألف مقاتل عند بداية الحرب إلى أكثر من "نصف مليون مقاتل" حالياً، في رسالة مفادها أن الاستنزاف البشري لم ينل من قدرته على الاستمرار في القتال.

المناورة السياسية.. بين التنازل عن الرئاسة واقتلاع الخصوم


في الجانب السياسي، رسم حميدتي ملامح مشروعه للمرحلة المقبلة بعبارات حاسمة؛ حيث صرح بوضوح: "لا أريد أن أصبح رئيساً للبلاد". هذا النفي يراه محللون محاولة لامتصاص الغضب الشعبي والدولي وتصوير حربه على أنها "حرب مبادئ" وليست "صراعاً على كراسي السلطة".

وحدد حميدتي هدف عملياته العسكرية في "اقتلاع الإسلاميين" من مفاصل الدولة، وهو خطاب يهدف لمخاطبة القوى المدنية في الداخل والمجتمع الدولي الذي يتخوف من عودة نظام المعزول عمر البشير. كما وجه دعوة لافتة للأحزاب السياسية المقيمة في الخارج للعودة والمشاركة في الحياة السياسية، محذراً في الوقت ذاته من أن أي سلام مستقبلي لن يكون على شاكلة "اتفاق جوبا" أو "نيفاشا"، واصفاً إياها بالاتفاقيات التي لم تحقق استقراراً مستداماً.

كواليس الوساطة.. هل طلبت بورتسودان ود "عنتيبي" سراً؟


من أكثر النقاط التي أثارت لغطاً واسعاً، كشف حميدتي عن كواليس زيارة مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، إلى أوغندا قبل أسبوع من وصوله هو. حيث زعم حميدتي أن "جماعة بورتسودان" (في إشارة للحكومة والجيش) هم من طلبوا وساطة الرئيس موسيفيني سراً للوصول إلى تسوية معه، وأن زيارته الحالية جاءت استجابة لهذا المسعى.

هذا التصريح أربك المشهد في بورتسودان، حيث تتعارض هذه الادعاءات مع الخطاب الرسمي المعلن للفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يؤكد مراراً "لا تفاوض مع المتمردين". وهنا برز تحليل الصحفي عثمان فضل الله، الذي رأى أن الحكومة غارقة في تناقض فج؛ فهي ترفض التفاوض علناً وتطلبه سراً، معتبراً ذلك "إدارة للأزمة لا حلاً لها"، ومناورة سياسية لشراء الوقت.

"دبلوماسية الفراغ" ونقل المعركة إلى السفارات


ولم تقتصر زيارة حميدتي على اللقاءات السياسية، بل لوح بانتزاع "الشرعية الدبلوماسية" من خلال حديثه عن الترتيب لأخذ سفارة السودان في أوغندا عبر تنظيم الروابط السودانية هناك. هذا التطور يراه الكاتب عثمان ميرغني نتيجة طبيعية لما وصفه بـ "دبلوماسية الفراغ" التي تمارسها وزارة الخارجية السودانية.

ويرى ميرغني أن انكفاء الحكومة في بورتسودان على ذاتها وغياب استراتيجية واضحة للسياسة الخارجية، منح قوات الدعم السريع مساحة للتحرك في المحيط الإقليمي. واعتبر أن صور "الابتسامات في عنتيبي" تهدف للإيحاء بحالة من الاسترخاء السياسي والاعتراف الضمني، محذراً من أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على محاصرة مثل هذه التحركات قبل وقوعها.

الهوية الأفريقية والقطيعة مع "مشروع العطاوة"


وفي تحليل لافت للكاتبة رشان أوشي، توقفت عند "الزي الأفريقي الكامل" الذي ظهر به حميدتي ومرافقوه في كمبالا. رأت أوشي أن هذا المظهر ليس مجرد اختيار للأناقة، بل هو "بيان سياسي" يعلن القطيعة مع مشروع "دولة العطاوة" القديم، والتماهي مع أطروحات "الهامش الأفريقي".

كما أشارت أوشي إلى أن هجوم حميدتي الحاد على المملكة العربية السعودية وانتقاده لمنبر جدة، يعكس صراع نفوذ إقليمي محتدم. فبينما تسعى الرياض لبناء تحالف استراتيجي لتأمين البحر الأحمر يضم السودان ومصر وإريتريا، يجد حميدتي نفسه مدفوعاً نحو "المظلة الأفريقية" والارتهان لمحاور إقليمية أخرى ترى في التقارب السوداني-السعودي تهديداً لمصالحها.

ردود الفعل الغاضبة.. مناوي والإدارة الأهلية


داخلياً، لم تمر الزيارة دون عواصف؛ فقد شن حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، هجوماً لاذعاً على أوغندا، معتبراً استقبالها لحميدتي "قبولاً ضمنياً بالانتهاكات الجسيمة" التي ترتقي للإبادة الجماعية في دارفور. واعتبر مناوي أن الصمت الأفريقي تجاه جرائم الدعم السريع هو "دوامة عنف" تغيب فيها العدالة.

وفي السياق الشعبي، جاءت الرسالة من "مستريحة"، معقل قبيلة المحاميد، حيث أكد زعماء الإدارة الأهلية بحسب منصة شاهد عيان أن لقاءات كمبالا "تخص أصحابها وحدهم" ولا تمثل المجتمعات المحلية في دارفور، مجددين دعمهم للقوات المسلحة والقوة المشتركة، وهو ما يشير إلى تصدع في الحواضن الاجتماعية التي كان يراهن عليها الدعم السريع.

رؤية دولية.. نفاق الأعمال و"بيزنس الحرب"


ومن منظور دولي، وضع المسؤول السابق في البيت الأبيض، كاميرون هودسون، الزيارة في إطار "تسهيل الصراع". وأشار هودسون إلى أن أوغندا وكينيا أصبحتا مشاركتين فعليتين في الحرب من خلال منح جوازات سفر دبلوماسية لعناصر الدعم السريع وتسهيل عمليات الإمداد. ووصف هودسون الموقف الدولي والأفريقي بـ "النفاق الصعب"، حيث تدعو المنظمات لوقف القتال بينما تساهم الدول الأعضاء فيها في تسهيله، مؤكداً أن الحرب أصبحت "بيزنس جيداً" للجميع باستثناء الشعب السوداني.

السودان بين فكي الميدان والمناورة


وتؤكد زيارة حميدتي إلى أوغندا أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية في أزقة الخرطوم وفيافي دارفور، بل تحولت إلى معركة "كسر عظم" دبلوماسية. إن الاعترافات العسكرية الصريحة، والتلويح بانتزاع السفارات، واللعب على أوتار الهوية الأفريقية، كلها مؤشرات على أن السودان مقبل على أيام عصيبة تتداخل فيها الأجندات الإقليمية بالدماء الوطنية.

ويبقى السؤال القائم: هل ستنجح "دبلوماسية الفراغ" في منح شرعية لمن يواجه اتهامات دولية بالإبادة؟ أم أن الميدان، الذي اعترف حميدتي بصعوبته، سيظل هو القول الفصل في نهاية المطاف؟ الأيام القادمة، وسط غبار المعارك وتطاير الرصاص، هي وحدها من سيجيب.