-->

المسارات المتقاطعة.. هل تأكل صراعات النفوذ ثمار "معركة الكرامة؟

كامل ادريس وابراهيم جابر

بينما تنصرف أنظار السودانيين نحو جبهات القتال في "كردفان ودارفور"، فجرت التطورات الأخيرة داخل أروقة السلطة الانتقالية في السودان مواجهة مكتومة خرجت إلى العلن، كاشفة عن أزمة عميقة تتجاوز حدود الخلاف الإداري لتلامس جوهر الصراع على مركز القرار. هذه الأزمة التي بدأت بتسريبات وانتهت بقرارات حاسمة، وضعت العلاقة بين مجلس الوزراء وبعض أعضاء مجلس السيادة على المحك، في وقت يفترض فيه أن تكون وحدة القرار هي السلاح الأمضي في مواجهة التحديات الوجودية التي تواجه الدولة.

شرارة الأزمة: من "أراضي الخرطوم" إلى مكاتب السيادي


ولم تكن استقالة الدكتورة سلمى عبد الجبار، عضو المجلس السيادي، مجرد واقعة عابرة، بل كانت بمثابة القشرة التي انكسرت لتكشف عن حجم "التحفز" بين الجهاز التنفيذي والعضوية المدنية في السيادي. القصة التي بدأت بمشادة داخل مكتب مدير أراضي الخرطوم حول قطعة أرض استثمارية، تحولت إلى "فضيحة سياسية" تناولتها الوسائط الإعلامية بكثافة.

وفي قراءة لهذا المشهد، يرى الصحفي عزمي عبد الرازق أن الواقعة تعرضت لتضخيم مقصود كـ "قنبلة دخانية" للتغطية على ملفات أكبر، معتبراً أن القضية في عمقها تعكس ميزاناً مختلاً يُقاس فيه الخطأ بقدرة صاحبه على الرد. في المقابل، يرى الكاتب عبد الماجد عبد الحميد جانباً إيجابياً في هذه الضجة، معتبراً إياها دليلاً على ارتفاع حساسية الرأي العام ضد أي تجاوز للمؤسسية، واصفاً الشعب بأنه بات "أقوى برلمان رقابي" في عصر الفضاء الإسفيري.

اللجنة العليا والوزارات.. صراع الصلاحيات تحت غبار الحرب


لكن الانفجار الحقيقي لم يحدث في ملف الأراضي، بل في أروقة "اللجنة القومية العليا لتهيئة ولاية الخرطوم" التي يترأسها الفريق إبراهيم جابر. فبينما كانت اللجنة تعمل على استعادة الخدمات وإعمار المرافق، نضجت تحت السطح صراعات مع متنفذين في مجلس الوزراء حول عقود وتمويلات دولارية مثيرة للجدل، كان أبرزها عقد صيانة "كبري الحلفايا" البالغ كلفته 11 مليون دولار.

واتخذ هذا التوتر طابعاً رسمياً عقب توجيهات مسربة من مكتب رئيس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، تمنع الوزراء من المشاركة في أي لجان مشتركة لا يرأسها رئيس مجلس السيادة مباشرة، وهي الخطوة التي فُهمت كـ "إعلان استقلال" للجهاز التنفيذي عن هيمنة أعضاء السيادي. وردًا على ذلك، خرج الفريق إبراهيم جابر بتصريحات نارية، كاشفاً عن وزارات استأجرت مقاراً بالنقد الأجنبي دون علم لجنته، متعهداً باستئصال الفساد وحماية المال العام.

حكومة الأمل والرد بالمستندات: معركة الأرقام


في خضم هذا التصعيد، سارعت "حكومة الأمل" عبر مسؤول رفيع لنفي تهمة "الاستئجار بالدولار"، مؤكدة في تصريحات لصحيفة (السوداني) أن جميع العقود تمت بالجنيه السوداني ووفق لوائح الشراء والتعاقد. وكشفت المستندات أن إيجار وزارة الزراعة لم يتجاوز 32 مليون جنيه، بينما بلغ إيجار الخارجية 42 مليون جنيه شهرياً.

ودافع المسؤول الحكومي عن موقف الوزارات، مشيراً إلى أن مجلس الوزراء رفض استئجار سكن للوزراء رغم استحقاقهم الدستوري توفيراً للمال، داعياً إلى تجنب الصدامات التي تزيد من ويلات الحرب. إلا أن هذا الدفاع لم يمنع الفريق إبراهيم جابر من المضي قدماً في إجراءاته، حيث وجه بإلغاء كافة العقود المبرمة بالعملة الأجنبية وإحالة الملف للمراجع العام، متهماً "كبار المسؤولين" في مجلس الوزراء بشرعنة هذه التجاوزات.

لوبيات المصالح وهندسة الإدارة المأزومة


ومن زاوية أكثر حدة، تذهب الكاتبة الصحفية رشان أوشي إلى أن الصراع ليس إدارياً بل هو "معركة نفوذ مكتملة الأركان" بين لوبي رئيس الوزراء والفريق جابر. وترى أوشي أن لجنة تهيئة البيئة باتت في نظر البعض "بوابة للعقود الكبرى ومصدراً للعمولات"، محذرة من تحول مشروع إعادة الإعمار إلى ساحة لتصفية الحسابات وإنتاج الفساد في ثوب جديد.

وعلى الجانب التحليلي البنيوي، يرى الكاتب عثمان الشيخ عكرة أن الأزمة تكمن في "هندسة الإدارة" نفسها، واصفاً ما يحدث بـ "تقاطع المسارات". ويقول عكرة إن تأسيس لجان سيادية بمهام تنفيذية خلق "أداءً موازياً" وضع الوزراء في فخ التنازع بين ولائهم لرئيس الوزراء وبين عضويتهم في لجان يرأسها أعضاء سياديون، مما أدى بالضرورة إلى هذا "الاشتباك الإداري" الذي أحرق صيغة العمل المشترك.

سؤال السيادة في زمن "الكرامة"


إن ما يحدث اليوم في قمة السلطة يطرح سؤالاً مصيرياً: هل هذه التوترات مجرد "إعادة ضبط" للصلاحيات أم هي نذر انقسام قد يضعف الجبهة الداخلية؟ بالنسبة للمواطن السوداني، فإن ظهور ملفات الفساد والاتهامات المتبادلة في هذا التوقيت الحساس يمثل صدمة حقيقية.فالتاريخ لا يرحم اللحظات الرمادية، وإذا لم تنجح الدولة في فض هذا الاشتباك المؤسسي وتوحيد مركز القرار تحت مظلة شفافة، فإن مخاطر "تعدد الرؤوس" قد تكون أشد فتكاً من المدافع، مما يستوجب حسماً فورياً يعيد الاعتبار لهيبة الدولة ومؤسساتها بعيداً عن صراع اللوبيات ومراكز القوة.