سماء السودان تلفظ الغرباء: القوات المسلحة تبدأ عملية "الكسر الهيكلي" لمنظومات المليشيا الجوية
في تحولٍ استراتيجي وضع الحرب السودانية على أعتاب مرحلة "الحسم الجوي"، أطلقت القوات المسلحة السودانية سلسلة عمليات نوعية استهدفت تفكيك ما يُعرف بـ "المظلة الجوية" لمليشيا الدعم السريع. ولم تعد المعركة مجرد مواجهات برية، بل انتقلت لتصبح حرباً تقنية عالية الدقة، نجح من خلالها الجيش في تحييد منظومات دفاع جوي متطورة كانت تشكل العمود الفقري لحماية تحركات المليشيا في ولايات كردفان ودارفور.
أبو زبد والدبيبات.. مقبرة المنظومات المتطورة
وبدأت ملامح الخريطة العسكرية الجديدة تتشكل بوضوح مع إعلان الناطق الرسمي باسم الجيش، العميد عاصم عوض، عن تدمير منظومة دفاع جوي كاملة في منطقة "أبو زبد" بغرب كردفان. هذه العملية لم تكن حدثاً عابراً، بل سبقتها ضربة قاصمة في العاشر من فبراير الجاري، حين استهدفت المسيرات الانتحارية التابعة للجيش منظومة FK-2000 الصينية المتطورة في منطقة "الدبيبات".
تلك المنظومات، التي تعد من أحدث ما وصلت إليه تقنيات الاعتراض الجوي، تم تدمير راداراتها ومنصات إطلاقها بالكامل، مما أدى إلى شلل تام في قدرة المليشيا على رصد أو اعتراض الطيران الحربي السوداني، محولةً السلاح الذي أرادت به المليشيا تغيير قواعد اللعبة إلى حطام تحت أقدام الجنود.
استراتيجية "الـ SEAD": تجفيف منابع التهديد
ويرى خبراء عسكريون أن الجيش السوداني انتقل من مرحلة الدفاع إلى تنفيذ استراتيجية (SEAD)، وهي "قمع الدفاعات الجوية للعدو". هذه الاستراتيجية تهدف إلى تعمية رادارات الخصم وتفكيك شبكات صواريخه لفتح المجال الجوي واسعاً أمام الطيران المقاتل.
ولم تقتصر الضربات على المنصات فحسب، بل شملت مسحاً شاملاً لمخازن الطائرات المسيرة ووحدات التشغيل ومواقع الرادارات. وبحسب التقارير، فقد تم تدمير مسيرات من طراز CH-95، وهي أسلحة استراتيجية حاولت المليشيا عبرها استهداف المدن الآمنة مثل بورتسودان وعطبرة ومروي، مما يعني أن "الذراع الطويلة" التي كانت تتباهى بها المليشيا قد بترت عسكرياً.
سقوط "رهان الخارج" وانكشاف الميدان
وكشفت العمليات الأخيرة أن الدعم اللوجستي الضخم الذي تلقته المليشيا من قوى إقليمية، وعلى رأسها دولة الإمارات، لم يصمد أمام التخطيط العسكري للجيش السوداني. فالمنظومات التي أُرسلت لموازنة التفوق الجوي للجيش وحماية المليشيا بعد هزائمها البرية في الخرطوم والولايات الوسطى، باتت الآن أهدافاً سهلة المنال.
وبتحييد هذه الدفاعات، أصبحت قوات المليشيا "مكشوفة تماماً" من الأعلى؛ حيث فقدت قدرتها على حماية خطوط إمدادها وقواعد قيادتها، مما يعيد الصراع إلى وضعه الطبيعي: جيش وطني يسيطر على الأجواء، ومليشيا برية معزولة تفتقر لأي غطاء يحمي تحركاتها.
رسائل سيادية تتجاوز الحدود
تتعدى هذه الانتصارات الجوية قيمتها العسكرية لتصل إلى أبعاد سياسية عميقة؛ فهي ترسل رسالة شديدة اللهجة للقوى الداعمة للمليشيا بأن الأموال الطائلة والأسلحة المتطورة لن تكسر إرادة الجيش السوداني. كما تؤكد للمجتمع الدولي أن الدولة السودانية بعيدة كل البعد عن "الانهيار" الذي يروج له البعض، وأن القيادة العسكرية متمسكة بسيادتها الكاملة، رافضةً أي إملاءات تفاوضية تنتقص من سلامة أراضيها.
ومع استمرار هذه العمليات النوعية، يبقى السؤال القائم في غرف العمليات: كيف ستواجه المليشيا "جحيم السماء" بعد أن فقدت عيونها التي كانت تبصر بها أهدافها الجوية؟
