لعبة الشطرنج في القرن الأفريقي.. ماذا وراء زيارة أردوغان لأديس أبابا وكيف ستغير موازين الحرب في السودان؟
تمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا محطة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في القرن الأفريقي، خاصة في ظل الحرب السودانية المستعرة وتصاعد التنافس الدولي على نفوذ البحر الأحمر؛ فالزيارة التي تأتي بعد غياب رئاسي تركي دام لأكثر من عقد، لم تكن مجرد بروتوكول لتعزيز التعاون الثنائي، بل حملت في طياتها رسائل استراتيجية تتجاوز الحدود الإثيوبية لتعيد ترتيب المشهد الإقليمي بأكمله، واضعةً تركيا كلاعب رئيسي في قضية الوصول للمنافذ البحرية التي تهم الأمن القومي السوداني بشكل مباشر.
إثيوبيا بوابة أنقرة للبحر الأحمر والحسابات السودانية
ورغم كون إثيوبيا دولة حبيسة، إلا أنها تمثل لمحرك السياسة التركية محوراً استراتيجياً للتأثير في معادلات البحر الأحمر، وهو الملف الذي حضر بقوة في مباحثات أردوغان وآبي أحمد؛ إن دعم أنقرة لطموحات أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري يمنح تركيا فرصة للتموضع كوسيط وشريك في قضية تمس صميم السيادة الإقليمية، وهو أمر لا يمكن فصله عن السياق السوداني، حيث تجد تركيا في ظل انشغال الخرطوم بالحرب الداخلية فرصة لإعادة ترتيب تحالفاتها وتعزيز حضورها في "الحديقة الخلفية" للسودان، مما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في ملفات الأمن الحدودي والمياه وجبهات النزاع في النيل الأزرق.
كسر الاحتكار: الصدام الصامت مع النفوذ الإماراتي
وتبرز زيارة أردوغان كجزء من استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى كسر احتكار بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، للنفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؛ فبينما نجحت أبوظبي في بناء شبكة موانئ وشراكات عسكرية معقدة، وبرز دورها كلاعب أساسي في مجريات الصراع السوداني من خلال دعم أطراف بعينها، تسعى أنقرة الآن لبناء شبكة تحالفات موازية تعتمد على "القوة الناعمة" والاقتصاد طويل الأمد، لتثبيت أقدامها كبديل استراتيجي قادر على موازنة الكفة في المنطقة، وتحجيم التمدد الذي قد يضر بمصالحها المستقبيلة في القارة السمراء.
الاقتصاد كمدخل للنفوذ في خارطة ما بعد الحرب
ولم تقتصر الزيارة على الغرف السياسية المغلقة، بل توجت باتفاقيات طاقة وتجارة تعكس النهج التركي القائم على استخدام الاقتصاد كأداة لتعزيز الوجود المؤسسي المستدام؛ إن هذا التحرك يشير بوضوح إلى أن منطقة القرن الأفريقي دخلت مرحلة جديدة من صراع الإرادات بين القوى الدولية (تركيا، الإمارات، روسيا، والصين)، حيث يدرك الجميع أن مستقبل النفوذ في البحر الأحمر لن يُحسم داخل حدود السودان فحسب، بل عبر بناء أحلاف صلبة مع دول الجوار، استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب التي ستعيد رسم خريطة القوة في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.
