في خطاب مرتقب.. البرهان يتجه لإطلاق "حوار سوداني شامل" وإعلان عفو عن المعارضين
متابعات - السودان الآن
تكشفت في الأوساط السياسية والإعلامية تفاصيل ترتيبات تجريها قيادة مجلس السيادة الانتقالي لإلقاء خطاب موجه للشعب السوداني خلال الساعات القليلة المقبلة، يتضمن تدشين مبادرة رسمية لإطلاق حوار (سوداني - سوداني) ينتهي بوضع أسس المرحلة المقبلة، بالتوازي مع إعلان حزمة من القرارات والإجراءات التي تهدف إلى تهيئة المناخ السياسي وتشكيل لجنة وطنية مستقلة تتولى تنظيم وإدارة كافة المسارات المترتبة على هذه المبادرة.
وتأتي هذه التحركات المرتقبة عقب سلسلة طويلة مكثفة من المشاورات واللقاءات غير المعلنة التي أجراها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع طيف واسع من القوى السياسية، والكتل المدنية، والقيادات الأهلية والطرق الصوفية، إلى جانب رموز مجتمعية وأكاديمية بارزة. وقد خلصت هذه المشاورات إلى ضرورة التوافق على خارطة طريق وطنية تعيد المبادرة إلى الداخل، وتؤسس لعملية سياسية شاملة تخاطب أسباب الأزمة وتضع حداً للنزاع القائم في البلاد.
إسقاط التهم والعفو عن القيادات المعارضة كمدخل لتهيئة البيئة السياسية
وفي إطار المساعي الهادفة لإنجاح هذه الدعوة، كشفت المصادر عن توجه سيادي صريح لإعلان خطوات عملية تضمن تهيئة البيئة السياسية والأمنية الملائمة لمشاركة جميع الأطراف دون استثناء. وفي مقدمة هذه الخطوات يأتي التوجه لإلغاء أوامر التوقيف وإسقاط الاتهامات الموجهة ضد عشرات القيادات السياسية والمعارضة في الخارج، وهي الاتهامات التي كانت قد دُوّنت بحقهم منذ العام الماضي وتصل عقوباتها في بعض المواد إلى الإعدام، مما يُسقط العوائق القانونية التي كانت تحول دون عودتهم أو مشاركتهم في العملية السياسية المرتقبة.
وتشمل هذه التفاهمات التخفيف من حدة السجالات الإعلامية وتهيئة المجال العام، لضمان مشاركة قيادات تنتمي لكتل سياسية متعددة، وفي مقدمتها القيادات المنتسبة للتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك، فضلاً عن قيادات تنتمي لتشكيلات أخرى مثل "تحالف السودان التأسيسي" المرتبط بقوات الدعم السريع، مما يعكس رغبة في جمع الأطراف المتباينة على طاولة تفاوض واحدة.
تأسيس لجنة وطنية لإدارة المسار واستعادة المبادرة من القوى الدولية
وعلى الصعيد التنفيذي للمبادرة، يُتوقع أن يتضمن الخطاب الرئاسي الإعلان الرسمي عن تأسيس "لجنة وطنية" مستقلة تضم عشر شخصيات قومية بارزة، تُسند إليها مهمة إدارة الحوار وإحكام التنسيق مع كافة الفرقاء السودانيين، إلى جانب التواصل مع القوى الدولية والإقليمية لتحديد أدوارها المساعدة فقط دون التدخل في صناعة القرارات. كما ستتولى اللجنة تحديد أجندة التفاوض، ومكان وزمان انعقاد المؤتمر الجامع، وضمان تطبيق الضمانات اللوجستية والأمنية المترتبة على ذلك.
وقد تسربت أسماء عدد من الشخصيات الأكاديمية والسياسية والإعلامية المرموقة للترشح لعضوية هذه اللجنة، حيث برزت أسماء كل من د. قاسم بدري، والأستاذ القانوني نبيل أديب، والدبلوماسي السفير نور الدين ساتي، والمفكر السياسي د. الواثق كمير، إلى جانب الخبير الحقوقي د. مضوي إبراهيم، والأكاديمي د. محمد جلال هاشم، ود. نور الدين شلقامي، والكاتب الصحفي عثمان ميرغني، ود. عائشة البرير، وهي أسماء تحظى بوزن أكاديمي ومجتمعي يهدف لإسباغ المصداقية والحياد على عمل اللجنة.
تبايُنات المواقف وشروط المعارضة بين فكرة "العفو" وأولوية وقف الحرب
وعلى الجانب الآخر، أثارت التسريبات المتعلقة بمصطلح "العفو الرئاسي" ردود فعل متباينة داخل أروقة المعارضة؛ حيث أبدى رئيس لجنة الاتصال السياسي بتحالف "صمود" ورئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، تحفظاً واضحاً على هذه الصيغة، مؤكداً أن الموقف السياسي المعارض لا ينبغي تكييفه كجريمة حتى يتطلب صدور عفو عنها. وشدد الدقير على أن المطلوب هو التراجع عن الإجراءات التعسفية وإطلاق الحريات كحق أصيل، داعياً إلى ربط أي عملية سياسية مقبلة مسارياً وعضوياً بأولوية وقف الحرب وتيسير المساعدات الإنسانية لإنهاء معاناة المواطنين، بعيداً عن محاولات تكريس الأمر الواقع الذي فرضه السلاح.
وفي سياق متصل، أشار الأكاديمي د. الواثق كمير -أحد أبرز الأسماء المرشحة للجنة الوطنية- إلى أن نجاح أي حوار سوداني داخلي يتطلب بالضرورة ضمانات قانونية وسياسية وأمنية تكفل سلامة المشاركين وحرية حركة ونشاط القوى السياسية، موضحاً أن الدولة مطالَبة بتقديم الدعم اللوجستي والقانوني والحياد التام دون التغول على العملية السياسية أو محاولة التحكم في مخرجاتها. وأكد كمير على أن الحوار الوطني المستقل لا ينبغي أن يكون موضع اشتباه مسبق، بل يجب أن يتكامل مع جهود وقف الحرب ليغوص عميقاً في الجذور التاريخية والأسباب الهيكلية التي أدت للنزاع في البلاد.
جمود المسارات الخارجية يفسح المجال للمبادرة الداخلية
وتأتي هذه التطورات متزامنة مع أزمة تعثر واضحة تواجِهُها تحركات "الآلية الخماسية" الدولية والإقليمية -التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية- والتي شهدت اجتماعاتها الأخيرة في أديس أبابا مقاطعة واسعة من كتل وقوى سياسية سودانية بارزة، مما أدى إلى شلل في مسار التقارب الخارجي. هذا التعثر دفع بالفاعلين في المشهد إلى التفكير جلياً في نقل ثقل العملية السياسية إلى الداخل عبر مبادرة سودانية الخالصة تمتلك زمام الإرادة الوطنية وتتجاوز أجندات التدويل والارتهان للخارج.
المصدر: قناة الجزيرة
