بعد الانتصارات الأخيرة في شمال كردفان.. هل بدأت معركة النهاية؟
تقرير - السودان الآن
شهدت ولاية شمال كردفان تحولاً استراتيجياً فارقاً في مسار الصراع الممتد داخل السودان، حيث نجحت القوات المسلحة السودانية، مدعومة بالقوات المساندة وحركات الكفاح المسلحة، في بسط سيطرتها الكاملة على سلسلة من المدن والمناطق الاستراتيجية والحاكمة. وأسفرت العمليات العسكرية الهجومية المتتابعة عن تحرير مدن بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، إضافة إلى منطقتي أم قرفة وجريجخ، مستعادةً بذلك السيطرة التامة على "طريق الصادرات" البري الحيوي الذي يربط العاصمة أم درمان بمدينة الأبيض، عاصمة الولاية. هذا التقدم الميداني المتسارع أحدث تغييراً جذرياً في خريطة السيطرة العسكرية بالمنطقة، حيث أجهز على أحلام قوات الدعم السريع في إحكام الحصار على مدينة الأبيض، وأنهى تهديداتها المباشرة للمحاور الشمالية والشرقية، مفسحاً المجال أمام مرحلة جديدة من الحسم العسكري وانفتاح القوات نحو ولايات أخرى.
وفي مظاهرة ميدانية تعكس استقرار الأوضاع وثقة القيادة العسكرية بالمكاسب المحققة، وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في زيارة تفقدية إلى منطقتي "أم سيالة" و"جبرة الشيخ" فور إعلان تأمينهما. ووقف البرهان، برفقته حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، ووالي شمال كردفان عبد الخالق عبد اللطيف، وقائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل، على الخطوط الأمامية لتفقد القوات المنتشرة وتأمين الممرات الحيوية. وأرسلت هذه الجولة الميدانية الراجلة رسائل سياسية وعسكرية قوية تؤكد إحكام الدولة سيطرتها على الأرض، وتوفير غطاء أمني كامل لطريق الصادرات الإستراتيجي، مما أتاح فتح خط إمداد مباشر وآمن للفرقة الخامسة مشاة بالأبيض، يربطها بالخرطوم والولايات الشمالية والشرقية بدلاً من المحاور البديلة القاسية.
زلزال في نيالا: تصريحات متشنجة لحميدتي تعكس عمق الانتكاسة الميدانية
وفي المقابل، أحدثت هذه الخسائر الميدانية المترابطة زلزالاً واسع النطاق داخل قيادة قوات الدعم السريع، تجلى بوضوح في الخطاب الغاضب والارتباك الظاهر على قائدها، الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي"، خلال كلمته مساء الاثنين السابع والعشرين من يوليو. فمن مقر إقامته المعزول في مدينة نيالا بإقليم دارفور—حيث يحتمى بأجهزة تشويش مكثفة خوفاً من الغارات الجوية—أطل حميدتي في اجتماع مع قيادات ما يُسمى بـ"مجلس الأمن والدفاع" لـ"حكومة التأسيس"، بلا عمامته التقليدية وبملامح غلب عليها التوتر والحسرة. ولم يستطع الجنرال إخفاء صدمته من التهاوي السريع لقواته في شمال كردفان، مستأذناً الحاضرين بلغة مضطربة للخوض في تفاصيل الميدان، ومتوعداً بما أسماه "تغيير قواعد اللعبة" وإطلاق الرسن لقواته، متزامناً ذلك مع إغلاقه القاطع لباب الهدنة والوساطات عبر تكراره لعبارة "ما تدونا بندول تاني".
ولم يقف الانفعال عند حد رفض التهدئة، بل كشف خطاب حميدتي عن عمق التصدعات الداخلية والشكوك التي باتت تنهك قواته؛ حيث ركّز بشكل هستيري على اتهام "الطابور الخامس" والحديث عن "طعنات في الظهر"، محاولاً رمي لائمة الهزيمة النكراء على الخيانات الداخلية والغدر. كما أصدر حميدتي أوامر حازمة بمنع التصوير والتوثيق الميداني، في محاولة جليّة للتغطية على الانتهاكات، وحجب مشاهد الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد التي أحدثتها الضربات الجوية المكثفة والمركزة لسلاح الجو السوداني. ويعكس هذا الخطاب الانفعالي إدراكاً متأخراً بحجم المأزق العسكري الذي بات يطوق قواته بعد فقدان الشرايين اللوجستية الرابطة بين دارفور ووسط السودان.
الأبعاد الجيواستراتيجية: كيف أعاد "طريق الصادرات" رسم خريطة القوة؟
وتتجاوز أهمية السيطرة على بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة حدود المكاسب التكتيكية المباشرة، لتصل إلى ضرب العصب الحيوي للعمليات العسكرية في غرب ووسط السودان. فطريق الصادرات ليس مجرد مسار إسفلتي، بل هو الشريان اللوجستي الرئيسي الذي يضمن تحرك القوات والوقود والذخائر. وبسيطرة الجيش السوداني عليه، تم فك الخناق كلياً عن مدينة الأبيض، التي تمثل مركز القيادة والسيطرة الرئيسي للقوات المسلحة في كردفان، وتم تحويل قوات الدعم السريع من موقع المهاجم المستكفي إلى وضعية الدفاع المشتت. وفضلاً عن ذلك، فإن خسارة هذا المحور تقطع الطريق أمام أي محاولات مستقبليّة للميليشيا للتقدم نحو العاصمة أم درمان عبر المحور الغربي، وتبدد أوهامها المعلنة سابقاً بنقل ثقل الحرب إلى ولايات الوسط.
ويرى الخبراء والمحللون العسكريون أن الانكسار الميداني للدعم السريع في شمال كردفان يُعد تمهيداً لزلزال عسكري أوسع نطاقاً، إذ يضع ولاية غرب كردفان الغنية بالنفط والإنتاج الزراعي والحيواني على صفيح ساخن. فاستعادة الاستقرار في هذا الممر تمنح القيادة العامة للقوات المسلحة أفضلية المناورة والاندفاع غرباً للتضييق على جليّ القوات المتمردة، وهو ما قد يجبر الدعم السريع على التراجع الانكفائي الشامل نحو معاقله الأخيرة في عمق إقليم دارفور، متجرداً من كافة خطوط المناورة والتقدم التي بناها على مدار الأشهر الماضية.
تكتيكات الاستخبارات والانشقاقات: تهاوي البنية الداخلية لميليشيا الدعم السريع
ولم تكن هذه الهزائم المتلاحقة لميليشيا الدعم السريع نتاج تفوق ناري فحسب، بل جاءت ثمرة تحول استراتيجي في إدارة العمليات اعتمدته القوات المسلحة السودانية منذ مطلع العام. وركز هذا التحول على تكتيكات نوعية تعتمد على تكثيف العمل الاستخباراتي الدقيق، واختراق منظومات الاتصال، وتنفيذ ضربات جوية خاطفة وموجهة بالتنسيق مع القوات البرية والمستنفرين. هذه الاستراتيجية أربكت غرف السيطرة لدى الخصم، وأسفرت عن تآكل هيكلي حاد في صفوفه؛ تجسد في انشقاق قيادات ميدانية بارزة كـ "علي رزق الله سافنا" و"النور قبة"، إلى جانب استسلام مجموعات كاملة بعتادها، كان آخرها تسليم مائتين وثمانين مقاتلاً أنفسهم للجيش في الخرطوم.
وفي المقابل، أثبتت التطورات الميدانية عدم قدرة التعزيزات اللوجستية والمركبات العسكرية الحديثة التي تسلمتها قوات الدعم السريع عبر الممرات الحدودية الصحراوية على إحداث أي فارق ملموس؛ إذ عجزت الميليشيا عن مجاراة الجاهزية الدفاعية والهجومية للجيش وحلفائه. وفي الوقت الذي ظنت فيه الميليشيا أن استهدافها لبعض محطات الوقود بالطائرات المسيرة في الأبيض سيشل حركة الجيش، أثبتت القوات المسلحة امتلاكها لخطوط إمداد بديلة وأسلحة نوعية جديدة دخلت أرض المعركة حديثاً، مما أدى إلى ترجيح الكفة بشكل قاطع وحسم المعارك في أوقات قياسية.
الأفق السياسي المنسد والتكلفة الإنسانية الباهظة
وعلى الصعيد الدبلوماسي، جاءت هذه التحولات الميدانية الحادة لتزيد من تعقيد المشهد الدولي والمساعي الرامية لفرض هدنة إنسانية. فالطرح الأمريكي الأخير لفرض هدنة لمدة تسعين يوماً برعاية أممية اصطدم بشرط جوي وقاطع من الحكومة السودانية، يوجب انسحاب قوات الدعم السريع الكامل من كافة المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ اندلاع النزاع. وعلى الجانب الآخر، ورغم إعلان الدعم السريع موافقتها الشكليّة على الهدنة لتخفيف الضغط العسكري عنها، إلا أنها رفضت التنازل عن واقع سيطرتها، وهو ما جعل المبادرة الدولية في حكم الميتة، لا سيما بعد كلمة حميدتي الأخيرة التي أعلن فيها عملياً العودة الشاملة لسياسة الحسم العسكري.
ومع انسداد منافذ الحل السياسي واستمرار المواجهات الساخنة المتوقع تصاعدها خلال موسم الخريف، تستمر المأساة الإنسانية في الاتساع؛ حيث تجاوزت أعداد النازحين واللاجئين حاجز الحادي عشر مليون شخص، بينما تشير التقارير الأممية إلى أن أكثر من ثلاثة وثلاثين مليون سوداني باتوا بحاجة ماسة للمساعدات الإغاثية. وبينما يتجه الجيش السوداني بخطى واثقة نحو توسيع نطاق انتصاراته وتأمين بقية أقاليم البلاد، تظل خيارات قوات الدعم السريع تضيق يوماً بعد يوم، مع تراجع نفوذها الميداني وانحصار خياراتها بين المواجهة الاستنزافية أو الانكسار النهائي.


