بعد قصف قواتها بـ "المسيرات".. هل بدأت الحرب الداخلية لتفكيك مليشيا الدعم السريع من الداخل؟

الدعم السريع

في تطور ميداني بالغ الخطورة يعكس حجم التصدع الهيكلي والاجتماعي، كشفت مصادر محلية متطابقة من ولاية غرب كردفان، عن انسحاب أعداد ضخمة من أبناء قبيلة المسيرية بكامل عتادهم العسكري من جبهات ومناطق متفرقة بكردفان. وجاءت هذه الخطوة وسط حالة عارمة من الغضب والاحتقان السائد بين المقاتلين؛ احتجاجاً على سياسات التهميش الفاضحة والتمييز القبلي الممنهج الذي تمارسه عائلة دقلو، وحصر النفوذ والموارد العسكرية الضخمة في الدائرة الضيقة المحيطة ببطون وعشائر "الماهرية"، مع التعامل مع بقية المكونات القبلية كـ "وقود للمعارك" وإسناد بشري بلا حقوق أو قرار. وأكدت المصادر أن الاعترافات المدوية التي فجرها القائد المنشق علي رزق الله "السافنا" عقب وصوله الخرطوم، أحدثت هزة ارتدادية عنيفة وعمقت الشكوك، بعدما كشف بالدليل عن الفوارق الطبقية والعنصرية في توزيع السلاح والمال داخل المليشيا.

تصفيات بـ "المسيّرات": قيادة المليشيا تقصف قواتها الفارة في الأبيض والدلنج


ميدانياً، تجاوزت الأزمة حدود الخلافات السياسية لتتحول إلى مواجهات عسكرية دموية وتصفيات جسدية مباشرة؛ حيث أفادت مصادر عسكرية موثوقة بأن طائرات مسيّرة تابعة لمليشيا الدعم السريع استهدفت بشكل مباشر مجموعات قتالية محسوبة عليها في محيط مدينة الأبيض وشمال شرق الدلنج. وطال القصف الجوي عناصر تتبع للمجموعة (296) المرتبطة بالجنرال المنشق "السافنا"، بالإضافة إلى عناصر من المجموعة (44) التي اتُهمت بالخيانة بعد مغادرتها مواقعها القتالية والانسحاب دون أوامر عسكرية. ويرى مراقبون أن استخدام "المسيرات" لتصفية القوات المنسحبة يعكس حالة من الهستيريا وفقدان الثقة التام بين القيادة العليا والقادة الميدانيين.

معارك النوير والمرتزقة: حرق مركبات واشتباكات دامية في الفولة والمجلد


وفي سياق متصل، انفجرت الأوضاع العسكرية في غرب كردفان إثر اندلاع مواجهات عنيفة بالأسلحة الثقيلة بين مجموعات من مقاتلي قبيلة النوير وعناصر أخرى من المليشيا، على خلفية محاولة مقاتلي النوير الانسحاب الجماعي نحو حدود دولة جنوب السودان بعد الهزائم الساحقة التي تجرعتها القوات في محيط الدلنج. وأسفرت هذه الاشتباكات عن وقوع خسائر بشرية ومادية فادحة وحرق عدد من المركبات القتالية. وامتدت ألسنة اللهب إلى مناطق المجلد، الفولة، أم خرائط، والدبلموية، إثر اتهامات متبادلة بين قيادات المليشيا ومجموعات من المرتزقة الأجانب، الذين حاولوا الفرار من جبهات القتال والعودة إلى بلدانهم مع الاحتفاظ بالأسلحة والسيارات التابعة للدعم السريع، مما فجر مطاردات دموية بشعة شوارع تلك المناطق.

مجاعة مالية وتدمير الإمداد: ضربات الجيش تخنق المليشيا لوجستياً


وتأتي هذه الانقسامات الحادة بالتزامن مع انهيار كامل في القدرات اللوجستية والإمدادية للمليشيا؛ حيث أكدت مصادر ميدانية أن الضربات الجوية والمدفعية المركّزة التي ينفذها الجيش السوداني ضد مخازن الذخيرة ومراكز التجميع الاستراتيجية، واستهداف خطوط الإمداد الحيوية وشلّ حركة مطار نيالا تماماً، نجحت في قطع شريان الحياة عن المتمردين. هذا الخناق اللوجستي تسبب في عجز قيادة آل دقلو عن الوفاء بالتزاماتها المالية وتأخر صرف مستحقات المرتزقة الأجانب، مما دفع مقاتلين قادمين من جنوب السودان ودول الجوار إلى الدخول في صدامات مسلحة مباشرة ضد عناصر المليشيا المحلية في الفولة والمجلد، تعبيراً عن غضبهم من تفشي الجوع وتراجع التمويل وإهمال الجرحى.

التحليل البنيوي: تفكك حواضن دارفور وأزمة "الماهرية" المعزولة


ويجمع المحللون والمراقبون العسكريون على أن ما تشهده المليشيا اليوم هو "أزمة بنيوية قاتلة" بدأت تطفو على السطح مع توالي الهزائم. فقد تأسست هذه المجموعات على مصالح مالية وولاءات قبلية نفعية ضيقة، ومع جفاف منابع التمويل وتقدم الجيش، انفرط عقد التماسك الهش. وباتت المكونات القبلية في كردفان ودارفور ترى بوضوح أنها تُساق إلى الموت لحماية طموحات أسرة واحدة (آل دقلو)، بينما يقتصر القرار العسكري والسياسي على قيادات "الماهرية"؛ مما يمهد لتسونامي انشقاقات شامل سيعزل المليشيا تماماً ويحولها إلى مجموعات مشتتة يسهل سحقها ميدانياً واجتماعياً.