جبهة مناهضة الحرب تشهر "وثيقة أديس أبابا".. هل تُسقط القوى المدنية خيار الحوار الأحادية؟
متابعات - السودان الآن
أعلنت مجموعة عريضة من القوى السياسية والمدنية والشبابية والنسوية المناهضة للحرب، في ختام اجتماعاتها التشاورية المكثفة بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، عن توقيع وإطلاق "وثيقة الموقف المشترك" تحت اسم (عملية السلام التي نريد). وجاء هذا التحرك بمشاركة واسعة شملت قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزبي الأمة والمؤتمر الشعبي، إلى جانب شبكات المجتمع المدني وعدد من المفكرين والأكاديميين، لتشكل هذه الوثيقة خرقاً سياسياً محلياً وإقليمياً يهدف إلى وضع خارطة طريق بديلة ومستقلة لإيلاء الكارثة الإنسانية الأولوية ولإسكات صوت المدافع في كافة ربوع البلاد.
وتداولت الفعاليات على مدى يومين التداعيات الكارثية المستمرة للنزاع الذي يفتك بالبلاد منذ أكثر من ثلاثة أعوام، مخلّفاً أوضاعاً إنسانية وصفتها الوثيقة بالنزيف المكتوم الذي حول الجوع والنزوح واللجوء إلى واقع يومي لملايين السودانيين. وأخضعت القوى المشاركة كافة التطورات الميدانية والمسارات الدولية لتقييم شامل، بالتوازي مع تشريح الدعوة الأخيرة التي أطلقها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان بشأن إدارة حوار (سوداني - سوداني)، حيث خرج المجتمعون بمواقف حاسمة تُعيد ترتيب أولويات المسار السياسي والتفاوضي.
تشريح الرفض المدني لدعوة القيادة العسكرية وتفنيد "الحوار التضليلي"
وسجلت الوثيقة موقفاً حازماً برفض المبادرة المطروحة من جانب البرهان، مكيّفة إياها كـ "حوار تضليلي" يفتقر لأبجديات عمليات السلام المتعارف عليها سودانياً ودولياً، والتي تتطلب حتماً تسلسلاً منطقياً يبدأ بوقف العدائيات والترتيبات الأمنية والانتقالية تحت رعاية مظلة مستقلة ومحايدة. واستند رفض المجتمعين إلى أن إقامة أي حوار سياسي حُصرياً داخل مناطق سيطرة أحد طرفي النزاع وتحت رعاية أجهزته الأمنية والعسكرية، يكرّس من الناحية العملية تقسيم البلاد إلى جغرافيات سياسية وأمنية متعددة، ويحّول الانقسام الميداني المؤقت إلى واقع سياسي دائم يعصف بوحدة السودان ونسيجه الوطني.
كما شددت القوى المناهضة للحرب على استحالة إجراء عملية سياسية ذات مصداقية في ظل استمرار دوي المدافع وتحليق المسيرات وتفاقم أزمات المجاعة والنزوح، معتبرة أن فصل السياسة عن وقف القتال وإغاثة المدنيين يفرغ العملية من هدفها الجوهري. وأضاف التقرير الختامي للوثيقة أن مبادرة الجيش تسعى لإضفاء شرعية جديدة على سلطة الأمر الواقع وإعادة تمكين عناصر المؤتمر الوطني المنحل وحركته الإسلامية، مؤكدين رفضهم القاطع لمكافأة القوى التي أشعلت الحرب وسعت لإعادة إنتاج تجارب الحوار المعزول عن الإرادة الشعبية.
معالم وثيقة "عملية السلام التي نريد".. مسارات متزامنة وضوابط للمشاركة
وفي المقابل، قدمت الوثيقة الصادرة من أديس أبابا مقترحاً كاملاً لعملية سلام حقيقية تقوم على التفاوض الندّي والهادف لمعالجة أصل الأزمة عبر ثلاثة مسارات متوازية ومتزامنة؛ ينطلق أولها من المسار الإنساني المعني بحماية المدنيين وفتح ممرات الإغاثة وتسهيل العودة، يليه مسار وقف إطلاق النار لإقرار هدنة فورية وشاملة تُنهي دوامة القتل، وصولاً إلى المسار السياسي الذي يناقش القضايا الهيكلية كبناء جيش وطني مهني موحد، وتفكيك التمكين، وإقرار المواطنة المتساوية، وبناء هياكل السلطة المدنية الانتقالية.
واشترطت الوثيقة تهيئة البيئة السياسية بإطلاق سراح المعتقلين ورفع القيود عن الحريات المدنية، مع النص بوضوح على استبعاد حزب المؤتمر الوطني وواجهاته نهائياً من العملية التفاوضية. وحددت الوثيقة المشاركة في المسار السياسي بين ثلاث كتل أساسية تضم القوى المناهضة للحرب، والقوى المصطفة مع الجيش، والقوى المصطفة مع الدعم السريع، مع حصر مشاركة طرفي النزاع العسكريين (الجيش والدعم السريع) في مساري وقف إطلاق النار والترتيبات الإنسانية فقط دون التدخل في الشأن السياسي المدني.
رؤية القوى المدنية للمنبر التفاوضي والوساطات الدولية والإقليمية
وعلى صعيد التعاطي مع التحركات الدولية، أكدت الوثيقة أن "خارطة طريق الرباعية" الصادرة في سبتمبر 2025 تظل المرجعية الأنسب لمعالجة الوضع السوداني، لكونها وضعت إنهاء الحرب وتأسيس التحول المدني ضمن جدول زمني حاسم وسقف يُغلق الباب أمام عودة عناصر النظام البائد. كما أعرب المجتمعون عن استعدادهم للتجاوب الإيجابي مع تحركات "الآلية الخماسية"، شريطة أن تلتزم بتأمين الملكية السودانية الكاملة للقرار وإبعاد الواجهات الإخوانية عن طاولة التفاهمات.
واختتمت الوثيقة الصادرة عن اجتماع أديس أبابا بالتشديد على ضرورة توحيد المنبر التفاوضي والوساطة الدولية، عبر إيجاد صيغة تنسيقية تجمع الرباعية والخماسية والترويكا لمنع أطراف النزاع من الاستفادة من تباين مواقف الوسطاء. وجددت القوى المناهضة للحرب دعواتها للشعب السوداني لرفض خطاب الكراهية والتخوين، والالتفاف حول حراك مدني ضاغط يفرض وقف الحرب واسترداد المسار الديمقراطي، معبرين عن تقديرهم للدور الإثيوبي في احتضان الفعاليات الوطنية ورعاية اللاجئين السودانيين.
