مجلس الأمن يشتعل حول السودان: مواجهة بين المشروع الأمريكي لمنع السلاح والرفض الحكومي وحلفائه
تقرير - السودان الآن
شهدت قاعة مجلس الأمن الدولي بنيويورك واحدة من أشد الجلسات الساخنة والمحورية بشأن الأزمة السودانية، حيث تحولت المنصة الأممية إلى ساحة مواجهة دبلوماسية وسياسية محمومة عقب طرح الولايات المتحدة الأمريكية مشروع قرار يقضي بتوسيع نطاق حظر الأسلحة ونظام العقوبات ليشمل جميع الأراضي السودانية بلا استثناء، بدلاً من اقتصاره التاريخي على إقليم دارفور. وقد أدى هذا التحرك الأمريكي إلى إحداث فرز حاد وتجاذبات واسعة بين القوى الدولية والإقليمية؛ إذ رأى فيه الداعمون خطوة حتمية للحد من تدفق السلاح ووقف التصعيد الميداني وتهيئة الأجواء لمسار سياسي بقيادة مدنية، بينما اعتبرته السلطات السودانية وحلفاؤها استهدافاً صريحاً ومباشراً للمؤسسة العسكرية الرسمية، ومساواة غير مقبولة أخلاقياً وقانونياً بين جيش وطني يدافع عن سيادة بلاده وبين ميليشيا متمردة ترتكب جرائم الحرب بحق الأبرياء.
وجاء الانفجار الدبلوماسي داخل مجلس الأمن في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والميدانية على الأرض بصورة غير مسبوقة، حيث قدم المسؤولون الأمميون شهادات وأرقاماً مفزعة تُجسد حجم المأساة التي يعيشها الشعب السوداني، بالتوازي مع تبادل اتهامات صريحة تحت قبة المجلس حول الدور الإقليمي والدولي في تغذية الصراع الممتد. وقد أظهرت المداولات حجماً كبيراً من التباين في الرؤى حول كيفية التعامل مع طرفي النزاع، وما إذا كانت الترتيبات المفروضة ستسهم في استعادة الاستقرار أم أنها ستؤدي إلى إضعاف الدولة المركزية وفرض واقع التقسيم الميداني بحكم الأمر الواقع.
المبادرة الأمريكية للتحظير الشامل وانقسام المواقف بين واشنطن وحلفائها والقوى المعارضة
وفي مستهل المداولات، قدم كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية مسعد بولس عرضاً مفصلاً للمشروع الأمريكي، كاشفاً عن دفع واشنطن بطلب رسمي ومستعجل لتوسيع حظر التسليح على كامل الجغرافيا السودانية، مع تكثيف آليات المحاسبة ضد أي جهة تعرقل مسار السلام. وأوضح بولس، الذي ينشط بتكليف مباشر من الرئيس دونالد ترامب لإيجاد حلول للأزمة، أن سلوك طرفي النزاع ميدانياً يعكس إصراراً على تصعيد المواجهات والسعي للسيطرة على مساحات جديدة على حساب الخيارات السلمية والهدن الإنسانية. وعبر المبعوث الأمريكي عن أسفه العميق لعدم نيل الأزمة السودانية الاهتمام الدولي الكافي رغم موجات النزوح الأخيرة التي تقشعر لها الأبدان في مناطق عدة مثل شمال كردفان، مؤكداً دعم واشنطن لعمل الآلية الخماسية والدفع باتجاه الانتقال المدني كشرط أساسي لتحقيق السلام المستدام.
وفي مقابل هذا الطرح الذي حظي بتأييد دولي من فرنسا والدنمارك وتأييد إقليمي أعلنته مندوبة دولة الإمارات أمام المجلس، برز موقف روسي حازم ومناوئ للتوجه الأمريكي؛ حيث جزم مندوب روسيا الدائم فاسيلي نيبينزيا بأن القوات المسلحة السودانية تخوض معارك لتقويض التمرد وتستهدف المواقع العسكرية، في حين تركز ميليشيا الدعم السريع ضرباتها على الأعيان المدنية والبنى التحتية لإحداث أكبر قدر من الدمار. وحذرت موسكو من التدخلات الخارجة وتأثير الأزمة على الزراعة وسلاسل الإمداد، داعية إلى تقديم الدعم العاجل لدول الجوار مثل مصر وتشاد وجنوب السودان لاستيعاب اللاجئين. وفي السياق ذاته، أكد مندوب باكستان على الضرورة القصوى للتمييز بين جيش وطني يحمي الدولة ومواطنيها وبين ميليشيا متمردة، داعياً إلى إنعاش "منبر جدة" باعتباره المسار الأنجع لحفظ وحدة السودان.
الموقف الرسمي للخرطوم والرؤية الإقليمية لحفظ السيادة وتجفيف منابع الدعم
ورداً على هذا المشروع، أعلن مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس رفض حكومة بلاده القاطع والمطلق للمقترح الأمريكي، واصفاً محاولة حظر التسليح على كامل البلاد بأنها خطة لتدمير القوات المسلحة السودانية وإضعاف قدراتها الدفاعية في مواجهة عدوان خارجي منظم ومستمر. واستنكر إدريس نهج المساواة بين الجيش الشرعي وميليشيا متمردة ترتكب فظائع وانتهاكات صارخة ضد النساء والأطفال، مشيراً إلى أن الرد الحكومي المرفوع للمجلس اشتمل على رؤية كاملة تتأسس على إطلاق حوار وطني بملكية سودانية خالصة، وخروج الميليشيا من الأعيان المدنية والمدن، وتشكيل لجنة تضم مصر والسعودية والولايات المتحدة لإشراف على سحب سلاح المتمردين. كما انتقد السفير السوداني عدم مناقشة تقرير فريق الخبراء المستقل الذي أدان أدواراً إقليمية في تأجيج النزاع وتزويد الميليشيا بالسلاح عبر دول جوار كـتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان.
وعلى صعيد المواقف الإقليمية المجاورة، ألقى مندوب مصر السفير إيهاب عوض كلمة حاسمة شدد فيها على رفض القاهرة التام لأي إجراءات تفضي إلى فرض خطوط تقسيم أو تثبيت أمر واقع ميداني في السودان، مؤكداً أن آلية الحظر القديمة أثبتت قصورها وأن السلام الحقيقي يتطلب تجفيفاً فورياً لتدفقات السلاح والمرتزقة لصالح الميليشيا المتمردة ومحاسبة المتورطين. وفي اتجاه متصل، جدد مندوب المملكة العربية السعودية إدانة بلاده الشديدة للهجمات الإجرامية المستهدفة للمدنيين في كردفان، مؤكداً استمرار التنسيق مع الجانب الأمريكي والشركاء للوصول إلى صيغة تنهي الحرب وتحفظ تراب السودان وسيادته. من جانبه، نفي مندوب إثيوبيا استخدام أراضي بلاده لمنظومات هجومية ضد السودان، مجدداً رفض أديس أبابا للاتهامات الموجهة إليها.
الشهادات الأممية المفزعة وسجال الشارع والسيافة في الداخل السوداني
ولم تخلُ الجلسة من التنبيه الكارثي للواقع الإنساني؛ حيث كشفت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو عن حصيلة مفزعة لسقوط أكثر من 1400 مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، وفرار نحو 13 مليون شخص من ديارهم بينهم 8.7 ملايين نازح داخلياً، محذرة من تداعيات وصول أسلحة حديثة للمتقاتلين عبر إمدادات خارجية. وأيد هذا التحذير وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر المعلن أن أكثر من ثلثي الشعب السوداني باتوا بحاجة ماسة ومستعجلة للدعم الإنساني، في وقت أعلنت فيه بريطانيا تقديم 200 مليون جنيه إسترليني للاستجابة الإنسانية وسط تحذيرات شديدة من انهيار القطاع الزراعي والبيئي في البلاد.
وعلى الصعيد الداخلي في السودان، وجه رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رسائل حازمة خلال تخريج دفعة جديدة من الشرطة، مؤكداً أن التهديدات بفرض العقوبات أو الحظر الجوي لن تفت في عضد القوات المسلحة أو الشعب، وأن "معركة الكرامة" ماضية حتى تحرير كامل التراب الوطني. وشهد الساحة السياسية والإعلامية تبايناً حاداً؛ فبينما دعت مجموعة "محامي الطوارئ" وقيادات مدنية إلى اعتماد المشروع الأمريكي لحماية المدنيين، واعتبر خالد عمر يوسف أن مشروع الحرب مهزوم لا محالة، انتقد أمجد فريد التوصيفات المبنية للمجهول في الخطاب الأمريكي. وفي مقال تحليلي بارز، وصف عطاف محمد مختار رئيس تحرير صحيفة السوداني المشروع الأمريكي بـ "قبلة الحياة" للميليشيا المتمردة لإنقاذها من الضربات الميدانية الخانقة ومحاصرة الانتصارات العسكرية، مؤكداً أن الصمت الدولي عن التدخلات الخارجية الشائنة يهدف إلى تفكيك المركز وتكبيل حق الدولة الأصيل في الدفاع عن سيادتها وحدودها.
