مطار الخرطوم تحت القصف.. هل أصبحت المواجهة مع إثيوبيا "حتمية"؟
في تطور عسكري وسياسي وضع منطقة القرن الأفريقي على فوهة بركان، فجرت الحكومة السودانية نهار الاثنين مفاجأة من العيار الثقيل بتقديمها أدلة تقنية وميدانية "غير قابلة للشك" تُثبت تورط دولتي الإمارات وإثيوبيا في الهجمات الانتحارية التي استهدفت مطار الخرطوم الدولي ومنشآت حيوية أخرى. وخلال مؤتمر صحفي "ثلاثي" جامع بالخرطوم، كشف الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب، عن تفاصيل إسقاط مسيّرة من طراز استراتيجي تحمل الرقم التسلسلي (S88). وأوضح الناطق الرسمي أن التحقيقات الفنية الدقيقة، التي شملت تحليل "الصندوق الأسود" والتواصل مع الشركة المصنعة، أثبتت أن ملكية المسيّرة تعود لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأن سجلات الطيران المسجلة في ذاكرتها أكدت انطلاقها في مسارات عدائية مباشرة من مطار "بحر دار" الإثيوبي، حيث استهدفت ولايات النيل الأبيض والنيل الأزرق وكردفان وصولاً إلى قلب العاصمة الخرطوم، مما يضع أديس أبابا وأبوظبي في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي والمواثيق الأممية التي تحرم الاعتداء على سيادة الدول.
دبلوماسية "حق الرد": سالم والإعيسر يحددان ملامح المواجهة القادمة
ومن منصة المؤتمر الصحفي ذاته، رسم وزير الخارجية محيي الدين سالم، ووزير الإعلام خالد الإعيسر، ملامح الموقف السياسي السوداني تجاه هذا "العدوان الغادر". وأكد الوزراء أن السودان لن يكتفي بالتنديد الدبلوماسي، بل يتمسك بكامل حقه في "الرد الرادع" في الزمان والمكان اللذين يحددهما وفقاً لمقتضيات الأمن القومي. وشدد الإعيسر على أن الحكومة تحصلت على إثباتات قاطعة لانتهاكات مستمرة قامت بها مسيرات إماراتية تنطلق من الأراضي الإثيوبية طوال العام الجاري، معتبراً أن استهداف مطار الخرطوم هو محاولة يائسة لضرب البنية التحتية السيادية وتخويف المدنيين العائدين إلى ديارهم. ورغم خطورة القصف، حرصت وزارة الإعلام على طمأنة المواطنين بأن الأوضاع تحت السيطرة الكاملة، وأن الأضرار التي لحقت بساحة المطار كانت طفيفة ولم تسفر عن خسائر في الأرواح، مؤكدة أن حركة الملاحة الجوية ستستأنف فور استكمال الإجراءات الفنية الروتينية، مما يبرهن على تماسك مؤسسات الدولة السودانية أمام الهجمات الخارجية.
الرياض والقاهرة: "غطاء دبلوماسي" حازم وتحذير شديد اللهجة لدول الجوار
ودخلت القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة على خط الأزمة بمواقف دبلوماسية ثقيلة الوزن؛ حيث أصدرت وزارة الخارجية السعودية بياناً شديد اللهجة أدانت فيه استهداف مطار الخرطوم، مؤكدة موقف المملكة الثابت في الدعوة للحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الشرعية. وطالبت الرياض صراحةً الدول المجاورة للسودان باحترام سيادته و**"منع استعمال أراضيها منطلقاً لهذه الاعتداءات"**، في إشارة واضحة تدعم الرواية السودانية وتدعو للالتزام بـ "إعلان جدة" لحماية المدنيين. وفي السياق ذاته، جاء الموقف المصري حازماً برفض كافة أشكال التدخل الخارجي، حيث أدانت القاهرة تزايد وتيرة الهجمات التي تنطلق من "أراضي إحدى دول الجوار"، مؤكدة أن أمن واستقرار السودان يمثل أولوية قصوى للأمن القومي المصري. هذا التناغم السعودي المصري يمنح الخرطوم سنداً دبلوماسياً قوياً في المحافل الدولية، ويحاصر الأطراف المتورطة في العدوان بضغوط سياسية وإقليمية واسعة النطاق.
واشنطن تفضح "المخطط": كاميرون هديسون يكشف كواليس "التأثير الإماراتي"
وعلى الصعيد الدولي، قدم الدبلوماسي الأمريكي السابق والمحلل السياسي كاميرون هديسون قراءة استراتيجية عميقة للأزمة، مؤكداً أن سماح إثيوبيا باستخدام أراضيها لشن هجمات مباشرة على الجيش السوداني وأهداف مدنية يعكس محاولة "متقدمة وخطيرة" من جانب الإمارات العربية المتحدة للتأثير على نتيجة الحرب السودانية وجر المنطقة إلى صراع إقليمي شامل. وأشار هديسون إلى أن إثيوبيا تحاول استغلال الموقف عبر إطلاق اتهامات "بلا دليل" ضد السودان بدعم متمردي "تيغراي" لتبرير عدوانها، بينما قدمت الخرطوم أدلة مادية ملموسة (حطام المسيرة وصندوقها الأسود). واعتبر المحلل الأمريكي أن هذا التصعيد الإقليمي المتعمد يستدعي جهوداً دبلوماسية دولية جادة للجم مطامح الدول التي تسعى لزعزعة استقرار السودان عبر "حروب الوكالة" العابرة للحدود.
رسائل الداخل وتحذيرات الجغرافيا: أمجد فريد ومبارك الفاضل يقرأون المشهد
ووجه مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية، د. أمجد فريد، رسالة حازمة ومؤثرة لجيران السودان، محذراً إياهم من الانجرار خلف الرغبة الإماراتية في توسيع دائرة عدم الاستقرار. وقال فريد بوضوح: "الجغرافيا ليست عابرة، وسنبقى متجاورين بعد انتهاء هذه الحرب؛ تربطنا الحدود والتاريخ والمجتمعات، فلا تقطعوا الجسور التي رسختها الجغرافيا"، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على علاقات حسن الجوار بعيداً عن المقامرات السياسية الزائلة. ومن زاوية أخرى، دعا رئيس حزب الأمة، مبارك الفاضل المهدي، إلى ضرورة تغليب الحكمة، مستشهداً بوصايا الإمام الصادق المهدي "رحمه الله" حول خطورة المواجهة العسكرية مع إثيوبيا نظراً لتضاريسها الجبلية الدفاعية الصعبة مقابل السهول السودانية المكشوفة التي تضم أهم المنشآت الحيوية كالسدود والمشاريع الزراعية، ناصحاً قيادة الجيش بفتح قنوات حوار مباشرة مع أديس أبابا لتفكيك الأزمة وتجنب "العنتريات" التي قد تزيد من كلفة الحرب الإنسانية والاقتصادية.
الرد الإثيوبي وتصاعد التوتر: "نفي" أديس أبابا في مواجهة "فيديو" عبدالرحيم
وفي المقابل، سارعت وزارة الخارجية الإثيوبية لإصدار بيان يرفض الاتهامات السودانية، مدعية أنها "لا أساس لها من الصحة" وحاولت قلب الطاولة باتهام الخرطوم بإيواء ودعم مقاتلي "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" (TPLF). وبينما تدعي أديس أبابا التضامن مع شعب السودان، تداول ناشطون سودانيون وإثيوبيون مقاطع فيديو تعود لعام 2022 تظهر الرئيس الإثيوبي آبي أحمد رفقة قائد ثاني المليشيا عبد الرحيم دقلو، مما اعتبره مراقبون برهاناً على علاقة قديمة ومخططاً يهدف لاختطاف القرار السوداني. هذا التضارب في الروايات والاتهامات المتبادلة يضع المنطقة أمام مفترق طرق خطير، حيث يرى الخبراء أن صمت المجتمع الدولي عن "فضيحة المسيرات الإماراتية" قد يفتح الباب لمواجهات حدودية لا تحمد عقباها، في وقت يتمسك فيه السودان بسيادته الكاملة وحقه المشروع في حماية أراضيه ومواطنيه من أي عدوان خارجي عابر للحدود.
