مَن هم الضحايا الحقيقيون لغارات نيالا؟ وهل بدأت مرحلة "الرؤوس الكبيرة" في حكومة الجنجويد الموازية؟

الجنجويد

لم يكن نهار الثلاثاء في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، يوماً عادياً في رزنامة الحرب السودانية؛ فقد استيقظت المدينة التي اتخذتها قوات الدعم السريع "عاصمة إدارية" لحكومتها الموازية، على دوي انفجارات هزت أركان الأحياء العريقة. الضربات الجوية التي وُصفت بأنها "الأكثر دقة ووجعاً"، استهدفت مقاراً حساسة ومنازل قيادات رفيعة في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، مما أحدث حالة من الإرباك والذعر في صفوف المليشيا وقادتها، وسط تصاعد أعمدة الدخان التي غطت سماء المدينة من حي "خرطوم بالليل" وصولاً إلى "حي المطار".

اغتيال في "خرطوم بالليل": نهاية الرجل القوي في "تأسيس"


وأبرز ملامح هذا التصعيد تمثلت في الضربة الموجعة التي استهدفت منزلاً في حي "خرطوم بالليل" العريق، وهو المنزل الذي تشير التقارير الميدانية الموثقة إلى أنه يعود لوزير الصحة في حكومة الجنجويد، "علاء الدين نقد". الغارة لم تكن مجرد تدمير لمبنى، بل كانت عملية "تصفية نوعية"، حيث تأكد مقتل أسامة حسن، عضو الهيئة القيادية لتحالف (تأسيس) والمرشح الأبرز لمنصب وزير الشباب والرياضة في تشكيلة الحكومة التي يرأس مجلسها محمد حمدان دقلو. أسامة حسن لم يكن مجرد كادر سياسي، بل كان "دينامو" التحالف والوجه الشبابي الذي اعتمد عليه الدعم السريع في تسويق سياساته والمصالحات المجتمعية في دارفور، ومقتله يمثل ضربة قاصمة للبنية السياسية لهذا التحالف.

مخازن الذخيرة في "حي المطار": تبخر شحنة "طائرة الأمس"


وبالتزامن مع استهداف القيادات، وجّه الطيران المسير ضربات دقيقة لحي المطار بنيالا، مستهدفاً مخازن ذخيرة استراتيجية. المعلومات الاستخباراتية المسربة تؤكد أن هذه المخازن كانت تحوي ذخائر وأسلحة نوعية وصلت المدينة "بالأمس فقط" عبر طائرة شحن مجهولة الهوية هبطت في مطار نيالا تحت جنح الظلام. الانفجارات المتتالية في حي المطار أكدت نجاح الغارة في تدمير هذه الشحنة قبل توزيعها على جبهات القتال، مما يضع قوات الدعم السريع في مأزق لوجستي كبير داخل إقليم دارفور، ويعكس اختراقاً استخباراتياً كبيراً لتحركات الإمداد الجوي للمليشيا.

تحالف "تأسيس" ينعى قياديه ويتهم "أكانجي" التركية


وفي أول رد فعل رسمي، أصدر تحالف السودان التأسيسي بياناً نعى فيه أسامة حسن، واصفاً إياه بـ"المناضل" الذي كرس حياته لقضايا العدالة والحرية. لافتاً للنظر في البيان هو الاتهام المباشر باستخدام طائرات مسيرة من طراز "أكانجي" (Akinci) تركية الصنع في عملية الاغتيال، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول نوعية السلاح المستخدم في تتبع واصطياد القيادات داخل الأحياء السكنية. البيان كشف عن حالة من الصدمة داخل أروقة "حكومة نيالا" الموازية، خاصة وأن أسامة حسن كان قد عاد للتو من جولة تفقدية في ولاية وسط دارفور عقد خلالها لقاءات سياسية مكثفة.

حي المصانع والسينما: جحيم النيران يحاصر المدينة


التصعيد لم يتوقف عند الاغتيالات السياسية، بل امتد ليشمل "حي المصانع" وحي "السينما" ومحيط "المستشفى التخصصي"، حيث استهدفت المسيرات مواقع عسكرية ومقاهي إنترنت فضائي (ستارلينك) تستخدمها القيادات الميدانية للتواصل. المشاهد القادمة من نيالا تظهر ألسنة اللهب وهي تلتهم المواقع المستهدفة، وسط أنباء عن سقوط جرحى ومصادر تؤكد أن مصير عدد من القيادات التي كانت برفقة أسامة حسن لا يزال "مجهولاً"، مما يرجح ارتفاع حصيلة القتلى من الصف الأول والثاني للمليشيا والتحالف المساند لها.

نيالا تحت المجهر: هل اقتربت ساعة المواجهة الكبرى؟


ويرى مراقبون أن استهداف نيالا بهذا التركيز المكثف، وفي مواقع سكنية يقطنها كبار المسؤولين في سلطة الأمر الواقع بالمدينة، يشير إلى تحول كبير في استراتيجية الحرب. فبعد أن كانت نيالا تُدار كـ"منطقة آمنة" ومنطلقاً للعمليات، باتت الآن "ساحة مكشوفة" لا تستطيع حماية حتى أرفع قياداتها السياسية (مثل التعايشي وحمدوك ووزراء الجنجويد). هذا التصعيد يضع حكومة الدعم السريع في اختبار حقيقي أمام حاضنتها الاجتماعية، ويثبت أن "سيادة" المليشيا على المدينة باتت مهددة من الجو في أي لحظة، مما يربك حسابات التموضع السياسي والعسكري في غرب السودان بشكل عام.