ما هي الأسرار العسكرية "الحساسة" التي سلمها النور قبة للجيش؟ وهل أصبح قادة المليشيا في مرمى النيران المباشرة بعد كشف "المستور"؟

النور قبة

لم تكن اللحظة التي عبر فيها القائد الميداني البارز النور أحمد آدم، الشهير بـ "النور قبة"، إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية مجرد حدث عسكري عابر يمكن اختزاله في انضمام مقاتل إلى صفوف الدولة، بل كانت في جوهرها زلزالاً استخباراتياً ضرب أعمق نقطة في هيكل القيادة والسيطرة للمليشيا المتمردة، حيث انتقل الرجل الذي كان يُعد الركيزة الثالثة في تراتبية القيادة الميدانية من موقع "العقل المدبر" للتمرد إلى موقع "الصندوق الأسود" الذي فتح أبواب الجحيم على من تبقى من رفاق الأمس، حاملاً معه ليس فقط ثمانين عربة قتالية بكامل عتادها وجاهزيتها، بل حقيبة مليئة بالأسرار التي كانت تُعتبر حتى وقت قريب من الخطوط الحمراء التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، وهو ما يفسر حالة الهستيريا الجماعية والصراخ الإعلامي الذي ضجت به منصات المليشيا عقب تأكد خبر الاستسلام، في محاولة يائسة للتغطية على حجم الفراغ المعلوماتي والقيادي الذي تركه رحيل هذا الرجل في توقيت هو الأصعب على الإطلاق منذ اندلاع الصراع.

كواليس الانهيار الكبير ولماذا يرتجف قادة التمرد من اعترافات القائد العائد


وتتجاوز أهمية القائد النور قبة كونه قائداً عسكرياً متمرساً إلى كونه المشرف الفعلي على أدق التفاصيل اللوجستية والميدانية في إقليم دارفور وبعض المحاور الحيوية الأخرى، وهذا يعني أن جلسات الاستجواب التي بدأت فور وصوله للاستخبارات العسكرية لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل كانت رحلة في عمق البنية السرية للمليشيا، حيث كشف الرجل عن تفاصيل مثيرة جداً تتعلق بمواقع تخزين السلاح النوعي الذي تم تهريبه عبر الحدود، وحدد بدقة متناهية إحداثيات مخازن الطائرات المسيرة التي كانت تراهن عليها المليشيا في إحداث توازن عسكري، بالإضافة إلى كشفه عن شبكات الإمداد المعقدة التي تتخفى تحت غطاء مدني، وهو الأمر الذي يجعل كافة الأصول العسكرية للمليشيا الآن تحت رحمة ضربات سلاح الجو السوداني الذي بدأ بالفعل في تحديث بنك أهدافه بناءً على هذه "المعلومات الماسية"، مما يعني أننا أمام مرحلة من "العمى العسكري" ستصيب غرف عمليات المتمردين الذين أصبحوا الآن مكشوفين تماماً أمام رادارات القوات المسلحة.

زلزال الـ 80 عربة قتالية وتحطم الروح المعنوية في جبهات القتال


ويمثل انضمام قوة ضاربة بهذا الحجم، وبقيادة لواء ميداني بوزن النور قبة، يمثل ضربة قاصمة للعمود الفقري المعنوي لما تبقى من قوات التمرد، فالأمر هنا لا يتعلق بخسارة مادية في العتاد والسيارات فحسب، بل يتعلق بانهيار "عقد الثقة" بين القيادات العليا والوسطى، حيث بدأت تسري حالة من الشك والارتياب داخل صفوف المليشيا حول هوية القائد القادم الذي سيختار طريق العودة للوطن، خصوصاً وأن قبة أعلن بوضوح تام استعداده الكامل للانخراط في العمليات القتالية جنباً إلى جنب مع الجيش السوداني لتطهير البلاد من دنس التمرد، وهذا التحول من "الدفاع عن المشروع" إلى "القتال ضده" يمثل أقسى أنواع الهزيمة النفسية التي يمكن أن تلحق بأي قوة عسكرية، مما دفع المراقبين للتنبؤ بموجة انشقاقات متلاحقة "تأثير الدومينو" ستجتاح ولايات دارفور وكردفان، بعد أن رأى الجميع أن قادتهم الكبار وأصحاب الصناديق السوداء قد آثروا الانحياز لخيار الدولة ومؤسساتها الوطنية الشرعية على حساب مشاريع الأفراد الطموحة التي أوردت البلاد موارد الهلاك.

المستقبل الميداني في ظل المعلومات المذهلة التي قدمها الصندوق الأسود


وتشير القراءة التحليلية للمشهد الميداني القادم إلى أن الجيش السوداني سيغير تكتيكاته من "الاشتباك الواسع" إلى "الضربات الجراحية المركزة"، مستفيداً من الخريطة التفصيلية التي قدمها النور قبة عن أماكن تواجد النخب القتالية ومخازن الوقود والذخيرة السرية، وهذا يعني تضييق الخناق بشكل غير مسبوق على جيوب التمرد التي كانت تعتقد أنها في مأمن بعيداً عن عين الرصد، كما أن الكشف عن أماكن تخزين "المسيرات" سيقلم أظافر المليشيا ويحرمها من ميزتها الهجومية الوحيدة المتبقية، مما يعجل بسقوط المحاور الواحد تلو الآخر، وما صراخ غرف التضليل الإعلامي التابعة للمتمردين اليوم إلا انعكاس طبيعي لحجم الألم الذي سببه هذا الانشقاق، فهي تدرك تماماً أن النور قبة لم يغادر وحده، بل أخذ معه "روح الميدان" وترك خلفه هيكلاً خاوياً ينتظر رصاصة الرحمة، ليبقى السؤال الأهم الذي يتردد الآن في أروقة السياسة والعسكر: هل يمتلك التمرد أي قدرة على المناورة بعد أن أصبحت أسراره وخفاياه بين يدي قيادة الجيش السوداني التي تدير المعركة الآن بعيون القائد الذي كان يعرف كل صغيرة وكبيرة داخل معسكراتهم؟

المصدر: صفحات إخبارية على فيسبوك