سقوط الكرمك.. هل تورطت إثيوبيا عسكرياً في أشرس مواجهات النيل الأزرق؟

النيل الأزرق

شهد إقليم النيل الأزرق في السودان، وتحديداً مدينة الكرمك الاستراتيجية، تصعيداً أمنياً وعسكرياً هو الأعنف من نوعه منذ سنوات، حيث تحولت المنطقة إلى "خط نار" ملتهب ومسرح لعمليات عسكرية معقدة تداخلت فيها أطراف محلية وإقليمية. وبينما تتضارب الأنباء حول السيطرة الميدانية، تبرز اتهامات سودانية رسمية وخبراء عسكريون يشيرون صراحة إلى دور إثيوبي مباشر في دعم الهجوم، مما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول مآلات الحرب السودانية وتحولها إلى صراع إقليمي قد يطال شراراته سد النهضة وخزان الروصيرص.

موجات الهجوم الثلاثي.. كيف سقطت الدفاعات المتقدمة؟


وبدأت فصول المعركة صبيحة الأحد الماضي واستمرت بضراوة حتى مساء الإثنين، حيث شنت قوات الدعم السريع، متحالفة مع الحركة الشعبية (شمال) بقيادة جوزيف توكا، وما يُعرف بـ"قوات تحالف تأسيس"، هجمات متتالية ومنسقة من ثلاثة محاور رئيسية. الهجوم انطلق من محور "الجرك" جنوباً، ومنطقة "البركة" غرباً، والمحور الثالث والأخطر من جهة الشرق عبر الحدود الإثيوبية.

ووفقاً لمصادر عسكرية، فقد اضطر الجيش السوداني للانسحاب من بعض المواقع بعد صد موجات عنيفة من الهجوم، ليتمركز في منطقة "سالي" الاستراتيجية القريبة من الكرمك. وفي مقابل ذلك، أعلن "تحالف تأسيس" في بيان رسمي يوم الثلاثاء 24 مارس 2026، عن سيطرته الكاملة على الكرمك ومناطق البركة والكيلي، زاعماً مقتل أكثر من 400 من قوات الجيش وأسر العشرات، بالإضافة إلى الاستيلاء على 47 عربة قتالية و3 دبابات.

صقور الجو في سماء الكرمك.. استراتيجية "الاستنزاف والتمشيط"


من جانبه، لم يقف الجيش السوداني مكتوف الأيدي؛ حيث أفادت التقارير الميدانية بأن الطيران الحربي نفذ هجمات جوية عنيفة ومكثفة استهدفت القوات المهاجمة داخل مدينة الكرمك وفي محيطها. وبحسب المصادر، فقد نجح سلاح الجو في تدمير نحو 60 عربة قتالية وقتل العشرات من "المرتزقة" وعناصر المليشيا.

ويرى قادة ميدانيون أن انسحاب الجيش نحو منطقة "سالي" قد يكون "تكتيكاً عسكرياً" يهدف إلى استدراج القوة المهاجمة إلى مناطق مكشوفة لإحداث أكبر قدر من الخسائر فيها عبر القصف الجوي والمدفعي، تمهيداً لاستعادة المدينة في الساعات القليلة القادمة. كما أكد محافظ الكرمك أن القوات المسلحة، ممثلة في الفرقة الرابعة مشاة واللواء 16 الكرمك، لا تزال تمتلك زمام المبادرة وتفرض سيطرتها في حدود مسؤولياتها، داعياً المواطنين لعدم الالتفات للشائعات.

الاتهامات المباشرة لأديس أبابا.. هل شارك الجيش الإثيوبي في القتال؟


وتعد هذه الجولة من القتال هي الأكثر إثارة للجدل بسبب الاتهامات الصريحة للجارة إثيوبيا. فقد أكد الخبير العسكري، العميد إبراهيم عقيل مادبو، أن الهجوم انطلق من داخل الأراضي الإثيوبية، وتحديداً عبر تحريك مركبات قتالية من مدينة "أصوصا" الإثيوبية باتجاه "خور الذهب" في الكرمك.

وذهب مادبو إلى أبعد من ذلك، مؤكداً مشاركة قوات من الجيش الإثيوبي بصفة مباشرة في القتال بعد فشل المليشيا في تحقيق تقدم منفرد، مشيراً إلى أن المسيرات الإثيوبية وفرت غطاءً جوياً للقوات المهاجمة. كما كشفت مصادر عسكرية عن اشتباك قوة من الجيش السوداني مع قوة إثيوبية ساندت الدعم السريع، مما أسفر عن مقتل قائد القوة الإثيوبية المهاجمة. ويرى مادبو أن مسميات مثل "قوات تأسيس" ما هي إلا واجهات إعلامية لعدو أكبر يهدف للسيطرة على هذه المنطقة الجبلية الاستراتيجية.

الكرمك.. تاريخ من الصراع وأهمية جغرافية حاكمة


وتكتسب مدينة الكرمك أهميتها من كونها منطقة حاكمة تمنح من يسيطر عليها تفوقاً ميدانياً هائلاً في إقليم النيل الأزرق. المدينة المتاخمة للحدود الإثيوبية لديها تاريخ طويل مع الحروب؛ حيث كانت مسرحاً للقتال الدامي لمدة 22 عاماً بين الحكومة والحركة الشعبية (قيادة جون قرنق) قبل اتفاق 2005. السيطرة عليها اليوم تعني تهديداً مباشراً لمدينة الدمازين وخزان الروصيرص، وهو ما يفسر استبسال الجيش في محاولة استعادتها.

التداعيات الإقليمية.. هل تقترب الحرب من سد النهضة؟


وحذر مختصون في العلاقات الدولية، ومنهم الدكتور محمد ميرغني، من أن التدخل الإثيوبي سيعقد المشهد السوداني ويدفع "أصدقاء السودان" للتدخل، وفي مقدمتهم مصر، التي تعتبر وصول الدعم السريع لخزان الروصيرص تهديداً لأمنها القومي المائي.

وفي المقابل، فإن هذا التصعيد قد يرتد وبالاً على إثيوبيا نفسها؛ فإقليم بني شنقول-قومز الذي يستضيف معسكرات تدريب الدعم السريع هو نفسه الإقليم الذي يضم سد النهضة، مما يجعله عرضة لنيران الصراع. كما أن التوترات الحدودية قد تحرك جبهات داخلية في إثيوبيا مثل إقليم التيغراي، مما يهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بالكامل.

أزمة إنسانية متفاقمة وظلال النزوح


وسط هذا الصراع العسكري والسياسي، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف؛ حيث أدت المعارك الأخيرة إلى نزوح نحو 10 آلاف مدني من الكرمك باتجاه الدمازين في ظروف إنسانية قاسية. وتعاني المناطق المتضررة من عجز كبير في المأوى والاحتياجات الأساسية، وسط مخاوف من تزايد موجات النزوح إذا ما استمرت الكرمك ساحة لحرب بالوكالة بين القوى الإقليمية.