النيل الأزرق يشتعل.. من "المسيرات" إلى المواجهات البرية: كيف سقطت الكرمك؟ وكيف تحول الإقليم لساحة تصفية حسابات دولية؟.. تعرف على التفاصيل
لم تكن جبهة النيل الأزرق يوماً بعيدة عن حسابات الصراع السوداني الشامل، إلا أن مطلع العام 2026 حمل معه نذر تصعيد غير مسبوق، حيث بدأت المواجهات تأخذ طابعاً أعنف منذ يناير الماضي عبر هجمات منسقة شنتها قوات الدعم السريع بالتحالف مع الجيش الشعبي التابع لـ "تحالف السودان التأسيسي" المعروف بـ (تأسيس)، واستهدفت هذه العمليات مناطق استراتيجية مثل "ملكن" و"السلك" بمحافظة باو، ورغم استعادة الجيش السوداني السيطرة عليها في جولة أولى، إلا أن وتيرة القتال لم تهدأ بل تحولت إلى حرب استنزاف برية وجوية تبادلت فيها الأطراف السيطرة على المواقع الحيوية، مما جعل الإقليم يعيش حالة من الغليان المستمر على صفيح ساخن.
سلاح المسيرات: فبراير الأسود واستهداف "الكرمك وقيسان"
ومع دخول شهر فبراير المنصرم، تغيرت تكتيكات القتال لتنتقل من المواجهات البرية المباشرة إلى حرب "المسيرات الانتحارية" التي أصبحت السمة البارزة لهذا المحور، حيث كثفت قوات الدعم السريع هجماتها الجوية على مناطق الكرمك وقيسان وبكوري، مما تسبب في أضرار بالغة بالمنشآت الخدمية والمناطق السكنية، وفي المقابل، لم يقف الجيش السوداني مكتوف الأيدي، بل شن غارات جوية مكثفة استهدفت معاقل الحركة الشعبية في منطقة "يابوس"، ليتحول الإقليم إلى ساحة مفتوحة لتجريب الأسلحة النوعية وسط غياب تام للأمن والاستقرار، مما مهد الطريق لانفجار عسكري أكبر مع قدوم شهر مارس.
زلزال مارس: سقوط الكرمك وتحالف "توكا" والدعم السريع
وشهد شهر مارس 2026 تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى، حيث انتقل القتال من المناوشات المتقطعة إلى هجوم بري واسع النطاق، فمنذ يوم السبت 21 مارس، اندلعت معارك طاحنة في جنوب الإقليم، قادتها قوات الدعم السريع مسنودة بقوات الجيش الشعبي بقيادة "جوزيف توكا"، واستهدف الهجوم منطقة "جرط" الاستراتيجية قبل أن يتوسع ليشمل مدينة الكرمك الحدودية من ثلاثة محاور، ورغم المقاومة التي أبدتها القوات المسلحة، إلا أن كثافة الهجوم وتعدد المحاور أدت إلى انسحاب حامية الجيش وسيطرة قوات "تأسيس" على المدينة في مساء الاثنين 23 مارس، في تطور ميداني يعيد رسم خارطة السيطرة في جنوب شرق السودان.
عقدة الجغرافيا: الكرمك كشريان إمداد وصراع ممرات
ويرى الخبراء الاستراتيجيون أن الصراع في النيل الأزرق ليس مجرد صراع على كتل سكانية، بل هو "صراع ممرات" بامتياز، فالكرمك تمثل عقدة جغرافية وسياسية بالغة الأهمية لقربها الشديد من الحدود الإثيوبية، وأي طرف يسيطر عليها يتحكم فعلياً في خطوط الإمداد العابرة للحدود، مما يجعل المعركة هناك "معركة تموضع واستباق"، ويهدف الطرف المهاجم من خلال هذه السيطرة إلى تأمين نقاط ارتكاز تمنحه الأفضلية في المرحلة القادمة من الحرب الشاملة، خاصة في ظل التعقيدات الحدودية مع إقليم "بني شنقول-قمز" الإثيوبي، وهو ما يضع الدولة السودانية أمام تحدي تأمين حدودها الشرقية من أي اختراقات استخباراتية أو لوجستية.
الأبعاد الإقليمية: أصابع الإمارات وظلال "أديس أبابا"
ولا يمكن فصل أحداث النيل الأزرق عن السياق الإقليمي المتوتر، حيث تشير التقارير إلى وجود "أدوار خفية" لفاعلين إقليميين، على رأسهم دولة الإمارات العربية المتحدة التي تُتهم بدعم ميليشيا الدعم السريع لإعادة رسم النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتتفاقم هذه الحساسية مع الاتهامات الموجهة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بـ "غض الطرف" عن أنشطة الدعم السريع داخل أراضيه، وما زاد الطين بلة هو تقارير عن معسكرات تدريب داخل إثيوبيا وانطلاق مسيرات لضرب العمق السوداني، مما يحول جبهة النيل الأزرق من جبهة طرفية إلى نقطة تقاطع دولية تتداخل فيها مصالح الموانئ والممرات الملاحية مع صراعات الداخل.
المأساة الإنسانية: 80 ألف نازح وصمود تحت القصف
وخلف دخان المعارك، تتجلى مأساة إنسانية يندى لها الجبين، حيث تشير تقديرات مبادرات المجتمع المدني وغرف الطوارئ إلى نزوح أكثر من 80 ألف مواطن، وجد الآلاف منهم أنفسهم عالقين بين نيران المدافع والحدود الإثيوبية، وتعاني مدينة الدمازين حالياً من ضغط هائل يفوق طاقتها الاستيعابية، حيث اكتظت مراكز الإيواء بالنساء والأطفال وسط نقص حاد في الأدوية الأساسية وعلاجات الملاريا، ومع دخول فصل الأمطار والبرد، تزداد معاناة النازحين الذين يفترشون الأرض في تجمعات غير منظمة، مما يطلق صرخة استغاثة للمنظمات الدولية للتدخل العاجل قبل وقوع كارثة صحية شاملة في الإقليم.
السيناريوهات القادمة: استنزاف طويل أم حسم مرحلي؟
ويبقى مستقبل النيل الأزرق رهيناً بقدرة الأطراف على تأمين خطوط الإمداد في بيئة جبلية وغابية معقدة، وتبرز أمامنا ثلاثة سيناريوهات: الأول هو "حرب استنزاف متقطعة" تعتمد على الكر والفر دون تقدم حاسم، والثاني هو "الحسم المرحلي" الذي قد يغير موازين السيطرة في شرق السودان بشكل كامل، أما الثالث فهو "التدويل غير المباشر" عبر ضغوط حدودية إقليمية، وفي ظل هذا الغموض، تظل جبهة النيل الأزرق جبهة اختبار حقيقية لقدرة الجيش السوداني على إدارة حرب الأطراف، بينما يظل المواطن السوداني هو الضحية الوحيدة في صراع الممرات والعقد الجغرافية الذي لا ينتهي.