زلزال بارا وانتفاضة "أم كريدم": هل كسرت كردفان قيود المليشيا إلى الأبد؟
في خطوة أعادت رسم خارطة العمليات في إقليم كردفان، أعلنت القوات المسلحة السودانية أمس الخميس دخولها مدينة بارا الاستراتيجية بولاية شمال كردفان، عقب معارك "ساخنة" وصفت بأنها الأعنف منذ أشهر. وبينما لم تصدر إحصائية رسمية شاملة بعد، كشفت مصادر ميدانية من القوات المساندة عن حصاد عسكري غير مسبوق؛ حيث تمكن الجيش من "إبادة" القوة الصلبة للجنجويد داخل المدينة، وتدمير 124 عربة قتالية، والاستيلاء على 153 عربة أخرى بحالة جيدة، بالإضافة إلى وضع اليد على منظومة تشويش متطورة وكميات ضخمة من الذخائر وتناكر الوقود، مع أسر أعداد كبيرة من عناصر المليشيا، مما ينهي حالة "الكر والفر" التي جعلت من المدينة ساحة صراع متكرر منذ سبتمبر 2025.
بارا.. "عقدة الطرق" التي خنقت إمدادات المتمردين
وتتجاوز أهمية بارا كونها مدينة في البادية السودانية، فهي تمثل "العقدة الجغرافية" الحاكمة للطريق الرابط بين الأبيض والفاشر، وهو الشريان الحيوي الذي يربط إقليم دارفور بوسط السودان. إن سيطرة الجيش هذه المرة تعني عملياً قطع "حبل الوريد" العسكري للمليشيا، وحرمانها من مراقبة التحركات نحو الأبيض أو فتح ممرات سريعة باتجاه شمال كردفان. ورغم استعادة المليشيا للمدينة سابقاً نتيجة اعتمادها على "الوحدات خفيفة الحركة" والسيطرة على الريف المحيط، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن هذا التحرير يختلف جذرياً؛ حيث يسعى الجيش لتثبيت السيطرة عبر تأمين "البوادي والقرى" المحيطة لقطع الطريق أمام أي هجوم مضاد.
ملحمة "أم كريدم": المقاومة الشعبية تقلب الطاولة على الجنجويد
بالتوازي مع زحف الجيش، شهدت منطقة "أم كريدم" بمحلية غرب بارا تحولاً مفصلياً في مسار الحرب، حيث انتقل المواطنون من مربع الدفاع إلى الهجوم المباشر. في عملية بطولية، حاصر أهالي المنطقة عناصر المليشيا داخل مبنى جهاز الأمن، وسط دوي رصاص كثيف واستبسال شعبي منقطع النظير رفض تواجد المتمردين. ورغم محاولات المليشيا المستميتة لاستنفار عناصرها من الخارج لفك الحصار عن "المحاصرين" بالداخل، إلا أن حالة الذعر والارتباك سيطرت على صفوفهم، مما يثبت أن الأرض تحت أقدام المتمردين لم تعد "حاضنة" بل تحولت إلى نار تأجج من تحت أرجلهم، وهو ما يمنح الجيش دفعة معنوية واستراتيجية كبرى.
لماذا تختلف "بارا" اليوم عن الأمس؟
ويرى مراقبون أن استعادة بارا في مارس 2026 تمثل مرحلة "ما بعد الانكسار" للمليشيا، وذلك لأربعة أسباب جوهرية: أولاً، شمولية العمليات العسكرية التي لم تعد تكتفي بالمدن بل تطارد الفلول في الأرياف. ثانياً، تغير ميزان القوى لصالح الجيش والقوات المساندة. ثالثاً، دخول عنصر "المقاومة الشعبية" المسلحة كلاعب أساسي في حماية المناطق المحررة. رابعاً، قطع خطوط الإمداد الغربية القادمة من دارفور بشكل أكثر فاعلية. إن انتفاضة "أم كريدم" قد تكون الشرارة التي تحفز بقية المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيا للثورة والتمرد، مما يجعل تثبيت السيطرة على بارا هذه المرة حقيقة واقعة تؤسس لنهاية تواجد المتمردين في كامل إقليم كردفان.
