متاهة "نيويورك": لماذا يكتفي مجلس الأمن بملاحقة رؤوس المليشيا ويخشى تصنيف "الكيان الإرهابي"؟
في تحول دراماتيكي يعكس حجم الضغوط الدولية حيال الفظائع المرتكبة في السودان، دخلت العقوبات الأممية مرحلة "التنفيذ الخشن" باستهداف أربعة من كبار قادة مليشيا الدعم السريع، يتقدمهم القائد الثاني عبد الرحيم دقلو، والقائد الميداني الشهير بـ "أبو لولو" المتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال حصار الفاشر. هذه الإجراءات التي تضمنت تجميد الأصول وحظر السفر ومنع التوريد العسكري، لم تكن مجرد حبر على ورق، بل تعززت بإدراج "الإنتربول" لعبد الرحيم دقلو ضمن "النشرات الخاصة"، مما يجعله تحت مراقبة أجهزة إنفاذ القانون في 196 دولة. ورغم أن هذه النشرة لا تعني "التوقيف الجنائي" المباشر، إلا أنها تضرب طوقاً من العزلة حول تحركات القيادات وتجعل أي تعامل مالي معهم مجازفة دولية قد تجر أطرافاً أخرى إلى دائرة العقوبات.
العقوبات الذكية.. هل هي أداة لقص أجنحة المليشيا أم مجرد ذر للرماد؟
ويثور تساؤل جوهري حول الجدوى العملية لهذه العقوبات في ظل قدرة المليشيات على استخدام "حسابات بديلة" أو واجهات تجارية خارج النظام المصرفي التقليدي، إلا أن التأثير الحقيقي يكمن في تعقيد شبكات الدعم اللوجستي العابرة للحدود. فالتضييق المالي وحظر السفر الموسع يخلقان إشكالات حقيقية في حركة القيادة ويجبران المليشيا على إعادة ترتيب صفوفها لتقليل المخاطر، كما أن هذه العقوبات تمثل عقبة كؤوداً أمام أي محاولة للإدماج السياسي لهذه القيادات مستقبلاً. ومع ذلك، يظل الأثر العسكري الميداني محدوداً ما لم تلتزم الدول الإقليمية بتنفيذ هذه العقوبات بصرامة، خاصة في ظل استمرار تدفق الإمدادات عبر مسارات بعيدة عن الرقابة الدولية الصارمة.
لغز "التصنيف الإرهابي" وحسابات "الفيتو" في أروقة مجلس الأمن
وتكمن المفارقة الكبرى في رفض مجلس الأمن تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية رغم اعتراف تقاريره بأن انتهاكاتها في دارفور "تشبه الإبادة الجماعية"، وهو ما يعزوه الخبراء إلى تعقيدات قانونية وسياسية متشابكة. فمجلس الأمن لا يستخدم توصيف "الإرهاب" كصك مفتوح، بل يحصره في قوالب مرتبطة بتنظيمي "القاعدة وداعش"، متجاهلاً أن جرائم الازدراء العرقي قد تفوق الأيديولوجيا في خطورتها. كما تلعب "توازنات الكبار" دوراً معطلاً، حيث يخشى المجلس أن يؤدي التصنيف الشامل إلى إغلاق أبواب التسوية السياسية أو الاصطدام بـ "فيتو" من دولة ترى في المليشيا شريكاً محتملاً في أي مفاوضات قادمة، مما يجعل الإدانة موجهة للأفراد لا للكيان.
سياسة "نقطة اللاعودة" والرهان على مسارات التفاوض المفتوحة
ويفضل مجلس الأمن اللجوء إلى ما يُعرف بـ "العقوبات الذكية" كمنطقة وسطى تسمح له بإرسال رسالة إدانة قوية دون الوصول إلى نقطة القطيعة السياسية الشاملة التي يفرضها "التصنيف الإرهابي". فالرؤية الأممية، المدفوعة بضغوط قوى كبرى، لا تزال تراهن على "التسوية السياسية" كحل وحيد للنزاع، وهو مسار يتطلب إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع المليشيا. إن تصنيف الكيان كإرهابي يعني تجريم أي وساطة دولية معه وفرض حظر شامل على التعامل الرسمي، وهو ما يهرب منه المجلس حالياً عبر "الضغط المرحلي" ومعاقبة القيادات، في محاولة لإعادة تشكيل مشهد التفاوض المستقبلي دون حرق المراكب تماماً.
بين الأروقة الدولية وحقائق الميدان.. النصر يصنعه الرجال
في المحصلة، يظل الحراك الدولي في مجلس الأمن مرآة لتوازنات المصالح المعقدة، حيث تُحسم القرارات بالسياسة قبل القانون، مما يفسر اكتفاء المجلس بمعاقبة الأفراد دون الحسم مع المنظومة ككل. وبالنسبة للسودانيين، فإن هذه العقوبات تمثل اعترافاً دولياً متأخراً بعدالة قضيتهم، لكنها لا تمثل الحل الجذري الذي ينتظرونه. إن الرؤية الوطنية السودانية باتت تدرك أن الواقع على الأرض يشكله صمود الشعب وتضحيات القوات المسلحة، مع عدم إغفال أهمية المعركة القانونية الدولية لقطع شرايين المال والذهب المهرب، في انتظار أن تفيق الإرادة الدولية من سباتها وتسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية بعيداً عن حسابات الربح والخسارة الدبلوماسية.
