هروب آبي أحمد من "مواجهة" البرهان: هل تحولت أديس أبابا إلى ممر خلفي لسلاح المليشيا؟

البرهان وابي احمد

في تطور دبلوماسي لافت كشف عن عمق الأزمة الصامتة بين الخرطوم وأديس أبابا، نقل الدبلوماسي الأمريكي كاميرون هيدسون عن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قلقه البالغ حيال تدفق شحنات الأسلحة لمليشيا الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية. الأخطر في هذه الإفادات هو كشف البرهان عن تهرب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد من استقباله لمناقشة هذا الملف الشائك، رغم الطلبات المتكررة للزيارة. هذا الحديث العلني عن "التهرب" لم يكن مجرد عتاب بروتوكولي، بل هو استراتيجية ذكية من البرهان لتدويل القضية ووضع واشنطن والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم تجاه الأطراف الإقليمية التي تساهم في إطالة أمد الحرب عبر فتح حدودها للإمداد العسكري المشبوه.

من الحياد الحذر إلى "شد الأطراف": تحولات الموقف الإثيوبي


ومر الموقف الإثيوبي من الحرب السودانية بتحولات حادة، بدأت بميل ضمني نحو المليشيا مدفوعاً باستثمارات آل دقلو الضخمة داخل إثيوبيا، ثم انتقلت إلى محاولة "ضبط الصورة" عبر زيارة آبي أحمد للخرطوم بعد انتصارات الجيش الميدانية. إلا أن التقارير الاستخباراتية الأخيرة أعادت شحنة التوتر إلى الواجهة، حيث تتحدث المعلومات عن تقديم أديس أبابا بتنسيق مع "أطراف إقليمية معروفة" تسهيلات لوجستية ومواقع تدريب للمتمردين في مناطق بني شنقول وأصوصا المتاخمة لولاية النيل الأزرق. ويرى مراقبون أن هذا التحرك يدخل ضمن استراتيجية "إنهاك الدولة السودانية" وفتح جبهات جديدة في جنوب شرق البلاد لتشتيت مجهود القوات المسلحة الصاعد.

دوافع الصمت الإثيوبي.. بين الضغوط الخارجية والمراوغة الميدانية


ويمكن قراءة امتناع آبي أحمد عن الاستجابة لطلب زيارة البرهان كونه محاولة للهروب من اعتراف ضمني بوجود إشكال حدودي أو تورط عسكري، خاصة في ظل الضغوط الإماراتية القوية التي تمارس على أديس أبابا استناداً إلى الارتباطات المصلحية العميقة بين الثلاثي (إثيوبيا، الإمارات، والمليشيا). ويبدو أن الاستراتيجية الإثيوبية الحالية تعتمد على "المماطلة وكسب الوقت" لتمرير أكبر قدر من العتاد الحربي الذي يمكن المليشيا من فتح جبهة "النيل الأزرق" الجديدة، وبعد تحقق هذا الهدف الميداني الذي تسعى إليه أبوظبي، يمكن لأديس أبابا حينها العودة إلى طاولة الدبلوماسية بلسان ناعم وقلب لا يزال يحمل أجندات التوتر القديمة حول ملفي الفشقة وسد النهضة.

ملفات الخلاف القديمة وظلال "صراع الظل" الحدودي


ولا يمكن فصل التوتر الحالي عن الإرث الثقيل من الخلافات حول سد النهضة ومنطقة الفشقة الزراعية، فالحرب السودانية لم تنهِ هذه النزاعات بل رحلتها إلى الخلفية الاستراتيجية. إن اتهام إثيوبيا بدعم التمرد يعيد فتح ملف الفشقة كمعادلة للضغط المتبادل، فالسودان الذي استعاد أراضيه في 2020 قد يجد نفسه مضطراً لاستخدام أوراق ضغط حادة إذا استمر الانخراط الإثيوبي السلبي. وفي المقابل، تعيش إثيوبيا تمزقاً داخلياً في أقاليم الأورومو والأمهرا والتيغراي، مما يجعل الدخول في مواجهة مفتوحة مع السودان انتحاراً سياسياً، ويدفعها لتفضيل "صراع الظل" عبر دعم المتمردين بالوكالة بدلاً من الصدام العسكري المباشر مع الجيش السوداني.

ورقة "التيغراي" والاصطفافات الإقليمية الجديدة


وتلوح في الأفق إمكانية لجوء السودان لخيار "المعاملة بالمثل" عبر إعادة تحريك ورقة متمردي التيغراي، وهو سيناريو يحمل مخاطر عالية لكنه يظل مطروحاً في حال تمادت أديس أبابا في تهديد الأمن القومي السوداني. إن السودان يعمل حالياً على عزل إثيوبيا إقليمياً عبر تقوية تحالفاته مع (السعودية، تركيا، مصر، وإريتريا)، وهي دول تمتلك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً على أديس أبابا يمكن استثماره لوقف هذا الانخراط السلبي. إن السؤال الكبير الذي يبقى معلقاً في فضاء العلاقات المتوترة هو: هل سينجح البرهان في إجبار آبي أحمد على الخروج من مخبئه الدبلوماسي ومواجهة الحقائق، أم أن الحدود الشرقية موعودة بمرحلة من التصعيد البارد الذي قد يتجاوز لغة البيانات إلى لغة الميدان؟