محرقة "مستريحة" ونهاية تحالفات الدم.. هل أطلق آل دقلو رصاصة الرحمة على تماسك المليشيا من الداخل؟
شهدت ولاية شمال دارفور في الساعات الأولى من صباح الإثنين تصعيداً عسكرياً هو الأخطر من نوعه منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب السودانية، حيث تحولت بلدة "مستريحة"، المعقل التاريخي والرمز الاجتماعي للشيخ موسى هلال زعيم قبيلة المحاميد ورئيس مجلس الصحوة الثوري، إلى ساحة لمعركة كسر عظم لم تكن مجرد اشتباك عابر، بل محطة مفصلية أعادت رسم خارطة الولاءات القبلية في الإقليم. فجر ذلك اليوم الدامي، استيقظت البادية على هجوم هستيري نفذته مليشيا الدعم السريع من عدة محاور، مستخدمة قوة ضاربة قوامها مئات العربات المصفحة وآلاف المقاتلين تحت قيادة ميدانية تلقت أوامر مباشرة من أعلى مستويات القيادة في عائلة دقلو، بهدف حسم نفوذ موازٍ بدأ يشكل تهديداً وجودياً لسيطرتهم على الحاضنة الاجتماعية في دارفور، حيث اعتمد الهجوم استراتيجية الأرض المحروقة والقصف الصاروخي المكثف الذي طال منازل المدنيين والمركز الصحي الوحيد في المنطقة.
المأساة الإنسانية واستهداف النسيج الاجتماعي للمحاميد
وتشير التفاصيل الميدانية التي رشحت من قلب الحدث إلى أن الهجوم لم يكتفِ بالاشتباك مع الحراسات العسكرية، بل تمدد ليشمل ترويع السكان العزل وإضرام النيران في القرى المحيطة بالدامرة، مما تسبب في موجة نزوح جماعي مروعة نحو الفيافي والحدود التشادية. وفي حصيلة ثقيلة تعكس حجم العنف المفرط، أكدت تقارير طبية وحقوقية مقتل العشرات وفقدان المئات من أبناء قبيلة المحاميد، في جريمة وصفها مراقبون بأنها محاولة لكسر شوكة أحد أكبر المكونات الاجتماعية في الإقليم. وقد أدت هذه العمليات إلى تدمير البنية التحتية البسيطة للمنطقة، وسط اعتداءات طالت الكوادر الطبية والمرافق الخدمية، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي جديد تجاه الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في عمق الصحراء الدارفورية.
نجاة موسى هلال والثمن الباهظ من دماء الأبناء
وفي قلب هذه التطورات الدراماتيكية، كانت المأساة الشخصية لأسرة الشيخ موسى هلال تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي، فبينما نجا الزعيم التاريخي من محاولة اغتيال أو أسر محققة وانسحب نحو مناطق آمنة يُعتقد أنها في عمق الحدود التشادية، كان الثمن الذي دفعه باهظاً ومخضباً بالدماء. فقد أكدت المصادر مقتل نجله عبد الباسط في ساحة المعركة وهو يذود عن حياض أهله، بينما كانت قصة نجله الآخر حيدر أكثر إيلاماً، حيث تم اختطافه حياً قبل أن تبث عناصر المليشيا مقاطع فيديو وحشية توثق جثته وعليها آثار تنكيل ورصاص في الصدر، مما أضفى طابعاً ثأرياً على المواجهة، وحول الخلاف السياسي بين هلال وآل دقلو إلى قطيعة اجتماعية لا يمكن تجاوزها، وأسس لمرحلة من "الثأر المقدس" الذي سيمتد أثره لأجيال القادمة داخل المكون القبلي الواحد.
جذور القطيعة وصراع الزعامة بين هلال وعيال دقلو
إن جذور هذا الصدام الدامي تعود إلى سنوات من الاحتقان وصراع النفوذ داخل المكون القبلي للرزيقات، حيث يرى الشيخ هلال في آل دقلو مجرد قادة طارئين استغلوا ظروف الدولة السودانية للقفز فوق الزعامات التاريخية. وقد تجلى هذا الخلاف بوضوح في التصريحات النارية التي سبقت الهجوم بأسابيع، حين تحدى هلال قيادة المليشيا وطالبهم بالمواجهة المباشرة بدلاً من التستر خلف الفقراء والمهمشين. هذا الخطاب الواضح الذي اتهم فيه هلال آل دقلو بالارتهان للأجندات الخارجية وبيع سيادة الوطن، كان بمثابة المسمار الأخير في نعش العلاقة الهشة بين الطرفين، مما دفع المليشيا لارتكاب هذه الحماقة العسكرية في محاولة يائسة لإسكات صوت الزعامة التاريخية التي ترفض الانصياع لمشاريعهم العابرة للحدود.
الزلزال الداخلي وتصدع جبهة المليشيا من الداخل
ومن الناحية الاستراتيجية، يرى خبراء ومحللون، من بينهم الكاتب عبد الماجد عبد الحميد والدكتور عثمان نورين، أن استهداف مستريحة يمثل بداية النهاية لتماسك المليشيا الداخلي، فالهجوم أطلق النار على الحاضنة الاجتماعية التي يستمد منها آل دقلو قوتهم البشرية. إن وجود آلاف المقاتلين من أبناء المحاميد داخل صفوف الدعم السريع يضع قيادة المليشيا الآن في مواجهة انشقاقات حتمية واشتباكات بينية بدأت ملامحها تظهر في كردفان ودارفور. هذا "الهياج الهستيري" لآل دقلو، كما يصفه المراقبون، سيعجل بانهيار الهيكل الهش للمليشيا التي بدأت تضيق ذرعاً بأي رأي مخالف، وستجد نفسها مضطرة لمواجهة ثورات داخلية من مقاتليها الذين لن يقبلوا باستمرار استهداف رموزهم وأهلهم تحت أي شعار سياسي زائف.
مستقبل الصراع والتحالفات الجديدة في إقليم دارفور
يبدو أن ما بعد محرقة مستريحة لن يكون كما قبلها، حيث يرى المراقبون أن نجاة الشيخ موسى هلال وتأكيده على أن "المعركة لم تنتهِ بعد" يفتح الباب أمام تحالفات عسكرية غير مسبوقة في الإقليم. فمن المتوقع أن تنسق قوات مجلس الصحوة الثوري بشكل وثيق مع الجيش السوداني والقوة المشتركة لفتح جبهات استنزاف جديدة ضد المليشيا في معاقلها الرئيسية. إن استهداف الرموز القبلية بهذه الوحشية أفقد آل دقلو آخر مبررات وجودهم الاجتماعي، ووضعهم في مواجهة مباشرة مع التاريخ والجغرافيا الدارفورية، مما يؤسس لفصل جديد من الحرب ستكون فيه الغلبة للتحالفات الوطنية التي ترفض الارتهان للخارج، وتضع نهاية لمغامرة المليشيات التي أحرقت البلاد والعباد في سبيل طموحات عائلية ضيقة.
