إمبراطورية "دقلو" العقارية في دبي: كيف يغسل "حميدتي" أموال الحرب في شقق "المنهاد" الفاخرة؟

حميدتي ودبي

في وقت يواجه فيه الملايين من أبناء الشعب السوداني خطر المجاعة والنزوح القسري، كشف تقرير استقصائي حديث صدر عن منظمة "ذا سنتري" في فبراير 2026 عن تفاصيل صادمة تتعلق بمحفظة عقارية ضخمة في دولة الإمارات العربية المتحدة مرتبطة بشكل مباشر بقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو الشهير بـ "حميدتي". التقرير الذي استند إلى سجلات عقارية مسربة، أوضح أن حميدتي يمتلك محفظة عقارية تُقدر قيمتها بنحو 1.7 مليون دولار، تتركز في مناطق حيوية بدبي، مما يضع علامات استفهام كبرى حول مصادر هذه الأموال وتوقيت شرائها، خاصة وأن القائد العسكري يخضع لعقوبات دولية واتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في دارفور.

لغز شقق الضواحي الشرقية والتحايل عبر شركات "الواجهة"


وتعود جذور هذه الاستثمارات المشبوهة إلى مارس من عام 2020، حين قام حميدتي بشراء ثلاث شقق سكنية في الضواحي الشرقية لمدينة دبي، بالقرب من قاعدة "المنهاد" الجوية العسكرية، حيث سُجلت هذه العقارات في البداية باسمه الشخصي قبل أن يتم نقل ملكيتها في يوليو 2022 إلى شركة إماراتية تُدعى "بروديجيوس لإدارة ومراقبة الخدمات العقارية". هذا التحول في الملكية يراه المحللون محاولة استباقية للتمويه وتفادي العقوبات الدولية التي بدأت تلاحق قادة الدعم السريع، حيث يدير هذه الشركة حالياً "أبو ذر حبيب"، وهو رجل أعمال سوداني فرضت عليه وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات في عام 2025 لصلته بمجموعات مالية وفرت الإمدادات والمعدات العسكرية لمليشيا الدعم السريع خلال فترات الحرب.

عائدات الإيجار وتمويل المجهود الحربي من قلب دبي


ولا تتوقف الاستثمارات عند الشقق السكنية فحسب، بل تمتد لتشمل عقارات تجارية تدر عوائد مالية ثابتة تُستخدم في تزييت آلة الحرب، حيث تمتلك شركة "بروديجيوس" عقاراً تجارياً بقيمة تتجاوز 670 ألف دولار، كان مستأجراً من قبل شركة تصميم داخلي تابعة لشخصيات وردت أسماؤهم في تحقيقات سابقة كواجهات مالية لقوات الدعم السريع. ووفقاً للأرقام الموثقة، حققت هذه المحفظة العقارية ما لا يقل عن 80 ألف دولار سنوياً كعائدات إيجار بين عامي 2023 و2025، وهي أموال تتدفق بعيداً عن الرقابة المالية السودانية والدولية، مما يعزز الفرضية القائلة بأن سوق العقارات في دبي بات ملاذاً آمناً لغسل أموال الذهب المهرب وعائدات الحرب التي يشنها آل دقلو ضد الدولة السودانية.

الروابط المعقدة بين عائلة دقلو وصناع القرار في الإمارات


إن هذا التحقيق ليس الأول من نوعه، بل هو الثالث في سلسلة تقارير "ذا سنتري" التي تفكك شبكة العلاقات المعقدة بين عائلة دقلو ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث كشفت التحقيقات السابقة عن دور رجال أعمال إماراتيين في تزويد الدعم السريع بمرتزقة أجانب لتدريب مقاتليهم، بالإضافة إلى تورط قيادات عليا في الإمارات في توفير الأسلحة والطائرات المسيرة مقابل الحصول على تدفقات مستمرة من الذهب السوداني المهرب. ورغم النفي الرسمي المتكرر من قبل السلطات الإماراتية، إلا أن تقارير صحفية دولية، من بينها "نيويورك تايمز"، أكدت أن الدعم المقدم لحميدتي يصدر من أعلى المستويات السياسية والأمنية في الدولة، مما يجعل من عقارات دبي جزءاً صغيراً من جبل جليد هائل لتمويل التمرد في السودان.

سوق العقارات في دبي والملاذات الآمنة للأموال المشبوهة


ويفتح التقرير ملفاً شائكاً حول السياسات المالية في الإمارات، حيث تشير منظمة الشفافية الدولية إلى أن نهج "قلة الأسئلة" الذي يتبعه وكلاء العقارات في دبي يسهل على المشتبه بهم والملاحقين دولياً تحويل عائداتهم غير المشروعة إلى أصول نظيفة. ورغم خروج الإمارات من "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي (FATF)، إلا أن الفجوة الكبيرة بين عدد بلاغات المعاملات المشبوهة وبين التحقيقات الفعلية التي تجريها السلطات تثير قلقاً دولياً واسعاً، خاصة مع استمرار تواجد مئات الشخصيات السياسية الفاسدة وتجار المخدرات وغاسلي الأموال في السوق العقاري بالمدينة دون ملاحقة حقيقية، وهو ما يستدعي مراجعة دولية شاملة في عام 2026 لمدى التزام الإمارات بمكافحة تمويل الإرهاب والنزاعات المسلحة.

توصيات دولية بملاحقة شركة "بروديجيوس" وتجميد أصولها


ويطالب تقرير "ذا سنتري" بضرورة قيام السلطات الأمريكية والأوروبية بإدراج شركة "بروديجيوس" بشكل صريح ضمن قوائم العقوبات ككيان محظور، وعدم الاكتفاء بالتبعية لمالكها الخاضع للعقوبات. كما شدد التقرير على ضرورة قيام المؤسسات المالية والمهنيين في القطاع العقاري بتطبيق إجراءات "العناية الواجبة" المشددة على أي معاملات تشمل عائلة دقلو أو الشركات المرتبطة بهم، والتحقيق الفوري في مصادر الأموال المستخدمة في شراء هذه العقارات الفاخرة. إن ملاحقة هذه الأصول ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي ضرورة أخلاقية لقطع شريان الحياة عن الحرب التي تسببت في مقتل أكثر من 100 ألف شخص وتشريد ربع سكان السودان، في مفارقة مؤلمة بين حياة الرفاهية في دبي وحياة النزوح في الفاشر والخرطوم.