الخديعة الكبرى.. كيف استدرجت الدعم السريع أموال المودعين إلى (بنك المستقبل) ثم صادرتها؟

بنك المستقبل

في تطور دراماتيكي لم يكمل شهره الثاني، واجه مشروع "بنك المستقبل" التابع لما يسمى بـ "حكومة التأسيس" التابعة لمليشيا الدعم السريع، انهياراً تقنياً ومالياً كاملاً أدى إلى توقف تطبيقه الإلكتروني عن العمل بشكل مفاجئ. واستيقظ آلاف المواطنين في مدن نيالا وزالنجي والفاشر على واقع مرير بعد فشلهم في الوصول إلى حساباتهم المالية أو إجراء أي عمليات سحب، ليجدوا أنفسهم أمام شاشات مغلقة لا تقدم سوى الوعود السرابية. هذا التوقف لم يكن نتاج خلل فني عارض، بل جاء بالتزامن مع تقارير ميدانية تؤكد قيام قيادة المليشيا بعملية "تأميم قسري" للمدخرات الرقمية وتحويلها إلى وقود لاستمرار العمليات العسكرية، مما يكشف زيف الوعود بإنشاء نظام مصرفي بديل في المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين.

نهب ناعم.. تحويل أموال العملاء إلى حسابات عائلة "دقلو"


وتشير المعلومات الموثقة إلى أن المتمرد حميدتي أصدر توجيهات مباشرة بالاستيلاء على مبالغ ضخمة من أرصدة المودعين تحت مسمى "ضريبة حربية"، وذلك لمواجهة تصاعد موجة الاحتجاجات داخل صفوف جنوده بسبب تأخر الرواتب. وبدلاً من كسر الخزن بالطرق التقليدية التي مارستها المليشيا في الخرطوم والجزيرة، تم تنفيذ عملية النهب هذه المرة بـ "نقرة زر" تقنية، حيث جرى تحويل السيولة الرقمية إلى ثلاثة حسابات رئيسية تشمل الدائرة المالية لقوات الدعم السريع، وحسابات خاصة بـ "موسى حمدان دقلو" و"محمد جمعة دقلو". هذا الإجراء جعل من المواطن البسيط، الذي وضع ثقته في هذا الكيان غير الشرعي، شريكاً رغماً عنه في تمويل تحركات الجنجويد، ليجد مدخراته وقد تحولت من أرقام في تطبيق هاتفي إلى رواتب ومعدات عسكرية للمليشيا.

كيان فاقد للشرعية وأداة لتجاوز العقوبات الدولية


وحاولت "حكومة التأسيس" تسويق بنك المستقبل كإنجاز سيادي يهدف لتعزيز الانفصال الإداري والمالي عن الدولة السودانية، إلا أن الواقع أثبت أنه مجرد منصة لغسل الأموال وتجاوز العقوبات الدولية المفروضة على قيادات المليشيا. وبما أن البنك يعمل خارج رقابة بنك السودان المركزي والنظم القانونية الدولية، فقد افتقر منذ يومه الأول لأي احتياطات نقدية حقيقية أو غطاء من الذهب، مما جعله مجرد "محفظة رقمية" هشة تعتمد على شبكات تجارية غامضة في دبي وشرق أفريقيا. هذا الوضع جعل المودعين يضعون أموالهم تحت رحمة سلطة لا تعترف بالقانون، حيث لا توجد جهة رقابية أو آلية لاسترداد الحقوق في حال تجميد الحسابات أو انهيار السيرفرات المشغلة للتطبيق.

المخاطر التقنية والتحكم العسكري في قواعد البيانات


ويرى خبراء مصرفيون أن ما حدث يمثل أكبر عملية قرصنة مالية منظمة ضد المواطنين في دارفور وكردفان، حيث استغلت المليشيا حاجتهم لنظام تحويل مالي بعد تدميرها للبنوك الرسمية. إن التحكم التقني في قاعدة بيانات "بنك المستقبل" منح آل دقلو سلطة مطلقة لمصادرة أموال الناس دون الحاجة لاستخدام السلاح، حيث أصبحت الأرصدة رهينة للقرار السياسي والعسكري للمليشيا. وبما أن هذه الأموال أصبحت الآن معزولة تماماً عن النظام المالي العالمي، فإن أي عقوبات دولية إضافية قد تطال المنصة ستعني ضياعاً نهائياً لمدخرات المواطنين، الذين اكتشفوا متأخرين أنهم وضعوا "دم قلوبهم" في مصرف لا يملك من مقومات البنوك سوى الاسم، بينما جوهره هو استكمال لمسلسل النهب الممنهج لمقدرات الشعب السوداني.

مستقبل مظلم لنظام مالي ولد ميتاً


ويمثل سقوط تطبيق بنك المستقبل في أقل من شهرين شهادة وفاة مبكرة لمشروع "حكومة التأسيس" الانفصالي، وبرهاناً جديداً على أن المليشيا لا تملك مشروعاً لبناء الدولة بل مشروعاً لهدمها ونهب مواطنيها. إن الدروس المستفادة من هذه الأزمة تؤكد أن النظام المصرفي لا يُبنى بالبرمجيات المشفرة وحدها، بل بالشرعية الدولية والضمانات القانونية التي تفتقر إليها مليشيا الدعم السريع جملة وتفصيلاً. ومع استمرار توقف التطبيق واختفاء الأرصدة، يواجه مواطنو المناطق المتضررة فصلاً جديداً من فصول المعاناة، حيث أضحوا ضحايا لـ "الجنجويد التقني" الذي سلبهم مدخراتهم دون أن يترك لهم حتى حق الاحتجاج أو التظلم أمام جهة قانونية معترف بها.