بين تحركات حميدتي وضغوط واشنطن.. هل تقود مسارات أديس ابابا وجوبا ونيويورك إلى التسوية أم تُعمّق الانقسام؟

بين تحركات حميدتي وضغوط واشنطن.. هل تقود مسارات أديس ابابا وجوبا ونيويورك إلى التسوية أم تُعمّق الانقسام؟

تقرير - السودان الآن 


تتسارع الخطى الدبلوماسية وتتقاطع الأجندات الإقليمية والدولية حول الملف السوداني في لحظة فارقة من عمر الصراع؛ فبينما تحط الرحال في عواصم الأفارقة لبحث مخارج الأزمة، تشهد أروقة الأمم المتحدة استحقاقات جيو-سياسية حاسمة قد تعيد تشكيل خارطة المشهد المشتعل. وفي أحدث التحركات الميدانية والدبلوماسية، وصل قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في زيارة رسمية تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد الحضور البروتوكولي، قادماً إليها بعد جولة سريعة شملت جوبا في منتصف أغسطس. بالتزامن مع ذلك، انخرطت القاهرة في اتصالات مباشرة رفيعة المستوى مع واشنطن، إذ أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مشاورات هاتفية مكثفة مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي مسعد بولس، تأكيداً على ضرورة صون سيادة السودان ومؤسساته الوطنية، وفي وقت تتناقل فيه الأنباء قرارات اقتصادية صادرة عن عبد الرحيم دقلو تسعى لرفع الحظر عن حركة الماشية والمحاصيل بين مناطق السيطرة، في مؤشر يُقرأ كرسالة حسن نية بالتوازي مع الحراك الإقليمي المتصاعد.

أديس أبابا: العودة إلى مربع التفاهمات الحساسة وحراك القوى المدنية


وتعود أديس أبابا مجدداً لتكون مسرحاً رئيسياً للتحركات السودانية الشائكة، مستندة إلى إرث سياسي سابق شهد توقيع "إعلان أديس أبابا" بين حميدتي ورئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك. وتكتسب زيارة حميدتي الحالية أهمية استثنائية نظرًا لأبعادها الثنائية مع الحكومة الإثيوبية إلى جانب موقع أديس أبابا كمقر للاتحاد الأفريقي، لا سيما مع تصاعد التوترات العسكرية الميدانية على الحدود المشتركة في إقليم النيل الأزرق. وفي المقابل، شهدت العاصمة الإثيوبية حراكاً متوازياً تمثل في اجتماعات مكثفة لقوى سياسية ومدنية بدعوة من الآلية الخماسية لمناقشة مستقبل السلام؛ حيث أعلنت هذه القوى رفضها لدعوات الحوار الصادرة عن رئيس مجلس السيادة بصيغتها الراهنة، معلنة في الوقت ذاته تأييدها للمشروع الأمريكي الهادف إلى فرض حظر شامل على التسليح في كافة أنحاء البلاد.

جوبا والقاهرة: مبادرات الجوار والحرص على الكيان الوطني


وعلى مسار محاذٍ، فتحت جوبا أبوابها للوساطة المباشرة بإعلان رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت جاهزية بلاده لتسخير قنواتها الدبلوماسية من أجل دفع الأطراف نحو طاولة الحوار والتسوية. وتأتي هذه الخطوة استناداً إلى دوافع استراتيجية واقتصادية مباشرة تمس جوبا، لا سيما ما يتعلق بتدفقات اللاجئين وحماية تدفقات النفط عبر الأراضي السودانية. وفي هذا الصدد، شكلت زيارة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي وإقامته الطويلة في جوبا حجر زاوية لبحث الملفات المشتركة ودعم التهدئة. وعلى الضفة الأخرى، واصلت القاهرة تنسيقها المحوري مع واشنطن والدول الإقليمية لرفض أي مساعٍ لتشكيل كيانات موازية قد تمس بوحدة التراب السوداني، وهو الموقف الذي يتقاطع كلياً مع رؤية الاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيغاد" الداعية للحفاظ على مؤسسات الدولة الشرعية.

معركة نيويورك: استحقاق حظر التسليح ورسائل البرهان الدولية


وتتجه كافة الأنظار نحو الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، حيث يُرتقب أن يخوض الملف السوداني مواجهة دبلوماسية شرسة حول مقترح واشنطن الداعي لتوسيع حظر التسليح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان قبيل انتهاء آليته الحالية في سبتمبر. وفي ظل هذا الصراع الدولي، يستعد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لإلقاء كلمة السودان من على المنصة الأممية، مدعوماً بتغيرات ميدانية وتعزيز لشراكات إقليمية مع دول مثل السعودية وتركيا وباكستان، ولكن وسط ضغوط غربية مكثفة لفرض هدنة سياسية. ومع أنباء عن احتمال تواجد عبدالله حمدوك في نيويورك ضمن تحركات الكتلة المدنية، تصبح أروقة الأمم المتحدة الساحة الحسم التي ستتقاطع فيها كل هذه المسارات الإقليمية لتحديد ملامح المرحلة المقبلة.