هل تبيع الآلية الخماسية "وهم السلام" للسودانيين أم بدأت فعلياً خطة تفكيك الدعم السريع ودمج الجيوش؟

الالية الخماسية

في خطوة وُصفت بأنها "محاولة الفرصة الأخيرة"، تتجه الآلية الخماسية الدولية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، والإيغاد) نحو صياغة وثيقة "إعلان مبادئ" ستكون بمثابة الإطار المرجعي لأي تسوية سياسية قادمة في السودان. هذا التحرك جاء بعد أن استشعرت القوى الدولية خطر "تجميد الصراع" وتحوله إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، خاصة بعد تعثر المبادرات السابقة في جنيف والمنامة والقاهرة. الآلية الآن لا تدعو لمجرد حوار، بل تضع "خارطة طريق" استباقية تستند إلى مشاورات معمقة مع كافة الأطراف، لضمان عدم انهيار العملية السياسية قبل بدايتها.

تنسيق "الخماسية والرباعية": تكامل الأدوار بين وقف النار والرؤية السياسية


وكشفت كواليس الاجتماعات الأخيرة عن تنسيق عالي المستوى بين "الآلية الخماسية" و"المجموعة الرباعية" (أمريكا، السعودية، مصر، والإمارات). هذا التكامل يهدف إلى سد الثغرة التي عانت منها المبادرات السابقة؛ حيث تعمل الرباعية على الملف "العسكري الإنساني" للتوصل إلى هدنة ووقف إطلاق نار، بينما تتولى الخماسية هندسة "المسار السياسي". وبحسب تسريبات من داخل الآلية، فإن المجتمع الدولي أدرك أن الهدنة العسكرية لن تصمد دون "رؤية سياسية شاملة" يقبلها السودانيون، وهو ما يفسر تركيز الخماسية على استخلاص "قواسم مشتركة" بين الكتل السياسية المتصارعة.

ورقة "الأسئلة المصيرية": اختبار النوايا وتهيئة مناخ الحوار السوداني


ولجأت الآلية الخماسية إلى تكتيك "الدبلوماسية الهادئة" عبر توزيع ورقة تتضمن أسئلة جوهرية على كافة الكتل السياسية. هذه الورقة لم تكن مجرد استبيان، بل هي "اختبار نوايا" حقيقي حول قضايا شائكة مثل: أجندة الحوار السوداني-السوداني، والمدة الزمنية اللازمة للانتقال الديمقراطي، وآليات إشراك الشباب والمجتمعات المهمشة لضمان استدامة السلام. الهدف من هذه الأسئلة هو تحويل الردود إلى "مسودة إطار" تتحول لاحقاً إلى "إعلان مبادئ" ملزم، يقطع الطريق أمام الاستقطاب السياسي الحاد الذي أفشل اللقاءات السابقة.

من بورتسودان إلى القاهرة: خارطة لقاءات تضم "الكتلة الديمقراطية" وحلفاء "حميدتي"


وشملت جولات الآلية الخماسية طيفاً واسعاً من القوى المتناقضة؛ حيث عقدت اجتماعات "افتراضية" مع قوى بورتسودان (تحالف الحراك الوطني وتنسيقية القوى الوطنية)، بينما شهدت القاهرة لقاءات وجهاً لوجه مع "الكتلة الديمقراطية" وحزب الأمة وتحالف "صمود". والتطور الأبرز هو اللقاء المرتقب مع تحالف "تأسيس" التابع لقائد قوات الدعم السريع، مما يشير إلى أن الآلية تسعى لجمع "المتناقضات" في وثيقة واحدة، مع التركيز على مبدأ "الملكية السودانية" للعملية السياسية، لقطع الطريق على أي اتهامات بالتدخل الأجنبي السافر.

رؤية "الكتلة الديمقراطية" و"حزب الأمة": بين تفكيك المليشيا والجيش المهني الموحد


وبرزت تباينات جوهرية في ردود القوى السياسية؛ فحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل المهدي شدد على "المصالحة الوطنية" وضرورة وجود "جيش مهني موحد" عبر إصلاحات عسكرية جذرية. في المقابل، طرحت "الكتلة الديمقراطية" رؤية ثنائية المسار: مسار سياسي مدني للحكم، ومسار أمني عسكري يستند صراحة إلى "إعلان جدة" ويفضي إلى تفكيك قوات الدعم السريع، مع اشتراط حاسم باستبعاد أي طرف متورط في جرائم حرب أو إبادة جماعية من العملية السياسية، مما يضع الآلية الدولية أمام تحدي التوفيق بين هذه المطالب المتعارضة.

أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي: السودان في قلب الصراع الجيوسياسي العالمي


ولم تغفل المشاورات البعد الإقليمي الخطير؛ حيث أكدت القوى السياسية للآلية الدولية أن الحرب في السودان ليست قضية "منسية" في ظل التوترات العالمية (مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي)، بل هي في صلب الأمن القومي العالمي. هشاشة الأوضاع في السودان تهدد مباشرة "أمن البحر الأحمر" وممر التجارة العالمي، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي ممارسة ضغوط قصوى لإنهاء الحرب، منعاً لاستغلال أطراف إقليمية حالة السيولة الأمنية في السودان لتهديد الاستقرار في القرن الأفريقي ومنابع النفط.