صراع النفوذ في مجلس الأمن.. تمديد حظر السلاح بدارفور: هل تحطمت المخططات الأمريكية أم أُعيدت صياغتها؟
تقرير - السودان الآن
شهدت أروقة مجلس الأمن الدولي في نيويورك جولة جديدة من التجاذبات الدبلوماسية الحادة بين القوى الكبرى بشأن الملف السوداني، تجلت في اعتماد المجلس قراراً يقضي بتمديد نظام العقوبات المفروضة على السودان وحظر السلاح في إقليم دارفور لمدة شهرين فقط حتى الحادي عشر من ديسمبر المقبل، مع تمديد ولاية فريق الخبراء المساعد حتى يناير من العام المقبل. وعلى الرغم من أن القرار حظي بإجماع الخبراء والأعضاء الخمسة عشر داخل المجلس، إلا أن كواليس التصويت كشفت عن مواجهة دبلوماسية محتدمة انتهت بتراجع واشنطن عن مسودتها المتشددة التي كانت تسعى من خلالها إلى فرض حظر شامل على توريد الأسلحة لكافة الأراضي السودانية وتطبيقه على جميع الأطراف دون تمييز، إلى جانب فرض قيود صارمة على تقنيات الطائرات المسيرة والمعدات ذات الاستخدام المزدوج.
ولم يكن هذا التمديد القصير سوى نتيجة مباشرة لفشل الولايات المتحدة في حشد التوافق المطلوب حول رؤيتها المتكاملة، حيث تصدمت المسودة الأمريكية بمساعٍ مضادة وجبهة رفض صلبة تكتلت داخل المجلس. وقد وضعت هذه التحركات واشنطن أمام خيار أحلى طعميه مر، مما أجبرها على القبول بتمديد فني تقني قصير الأجل بدلاً من المضي قدماً في مقترحها الأساسي، ليتحول القرار النهائي من إنجاز سياسي تسعى واشنطن لفرضه إلى مجرد تسوية تكتيكية ترحل المواجهة إلى جولة قادمة أكثر سخونة.
تهافت الرؤية الأمريكية وجذور الفشل الدبلوماسي
وتعود الإشكالية الجوهرية التي أدت إلى إجهاض المسودة الأمريكية إلى منهجية "التكافؤ الزائف" التي اعتمدتها واشنطن في صياغة القرار، حيث سعت إلى المساواة المباشرة بين القوات المسلحة السودانية -باعتبارها المؤسسة الشرعية والدستورية المناط بها حماية الدولة والمواطنين- وبين مليشيا الدعم السريع المتمردة. وقد وجد هذا الطرح رفضاً قاطعاً من جانب الحكومة السودانية وعدداً من الدول الفاعلة داخل المجلس، والتي رأت في الموقف الأمريكي محاولة لتكبيل قدرات الدولة السودانية عن الدفاع عن أراضيها وسيادتها الوطنية، في وقت تتواصل فيه تدفقات السلاح والمعدات لصالح المليشيا عبر شبكات إمداد إقليمية ومعابر غير شرعية دون رادع دولي حقيقي.
كما أسهم التركيز الانتقائي للمسودة الأمريكية على ملف الطائرات المسيرة في إثارة تحفظات عواصم كبرى مثل موسكو وبكين، حيث اعتبرت تلك الدول أن معالجة ملف الأزمة من خلال التركيز على نمط معين من التسليح يمثل مقاربة قاصرة وتغاضياً عمدياً عن الروافد الأساسية التي تغذي النزاع. وقد أدى ذلك التباين إلى تشكيل جبهة موحدة تضم الدول الأفريقية الثلاث غير دائمة العضوية في المجلس وهي الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال، إلى جانب روسيا والصين وباكستان، والتي طالبت بتمديد القرار بصيغته الحالية لمدة عام كامل مع إبقاء الحظر حصرياً على إقليم دارفور، مما أدى في النهاية إلى شلل المسعى الأمريكي.
تراجُع تكتيكي أم كسب للوقت لإعادة تنظيم الصفوف؟
وبالنظر إلى الغايات المعلنة للإدارة الأمريكية والمتمثلة في توسيع دائرة العقوبات وتأطير الجيش والمليشيا في سلة واحدة، فإن التراجع الأخير يمثل بلا شك كبوة دبلوماسية واضحة للرؤية الأمريكية، حيث عجزت واشنطن عن استخدام ثقلها لفرض خياراتها واضطرت للقبول بتمديد فني مؤقت لشهرين عقب تمديد سابق لشهر واحد. هذا التعثر ينبئ بأن الولايات المتحدة باتت تدير خلافات الأعضاء داخل المجلس بدلاً من قدرتها على حسمها، مما يعكس تراجع قدرتها على التوجيه الأحادي للملف السوداني في ظل البيئة الدولية الراهنة.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية أخرى تظهر أن واشنطن لم تخسر المعركة بشكل نهائي، إذ إن نجاحها في فرض تمديد قصير لمدة شهرين فقط -بدلاً من التمديد لعام كامل كما طالبت روسيا وحلفاؤها- يوفر لها الهامش الزمني المناسب لإعادة تموضعها وحشد الضغوط من جديد. كما أن احتفاظ الولايات المتحدة بصفة حامل القلم والمصمم الأساسي لملف العقوبات السودانية في مجلس الأمن يمنحها سلطة التلاعب بجدول الأعمال وإعادة طرح المسودة بصيغ جديدة وأكثر تعقيداً خلال الجولات المقبلة، مستفيدة من إبقاء نظام العقوبات قائماً ومفعلاً.
ورقة الأسلحة الكيماوية والضغط الدبلوماسي في الجولة القادمة
وتؤكد المؤشرات التحليلية أن القبول الأمريكي بالتمديد المؤقت ليس إلا استراحة محارب للانتقال إلى جولة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي ضد الخرطوم. ومن المتوقع أن تستغل واشنطن المهلة الممتدة حتى ديسمبر المقبل لنقل المعركة إلى ساحات أوسع، من خلال إحياء ادعاءات واتهامات جديدة تتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية، وهو الملف الذي بدأت واشنطن بالفعل في التحريك التدريجي لخيوطه داخل أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، لاستخدامه كأداة ضغط سياسي وأخلاقي لإضعاف الموقف السوداني وحلفائه.
وفي المقابل، من المنتظر أن تحاول واشنطن ممارسة ضغوط مكثفة على العواصم المترددة، وخاصة المجموعة الأفريقية، عبر استخدام الروافع الاقتصادية والمساعدات الثنائية لفك كتلة الرفض الصلبة. إلا أن استمرار التماسك بين الخرطوم ورسيا والصين والدول الأفريقية المتمسكة بمبدأ احترام السيادة وعدم المساس بالمؤسسات الوطنية للبلاد، يظل الحائط الصد الأساسي القادر على إفشال أي محاولات أمريكية جديدة لتوسيع نطاق العقوبات أو فرض قيود على تسليح الجيش.
مكاسب الخرطوم الدبلوماسية وواقع حسم الميدان
وبالنسبة للسودان، يُشكل القرار الأخير مكسباً مرحلياً وتكافؤاً استراتيجياً للدبلوماسية الوطنية، التي نجحت بالتعاون مع حلفائها في حماية الجيش من حظر تسليح شامل كان سيعيق قدرته الدفاعية والهجومية في مواجهة التمرد. إلا أن هذا المكسب يحمل في طياته هشاشة سياسية، كون ملف العقوبات يظل مفتوحاً ومسلطاً على البلاد، ومع وجود ولاية ممتدة لفريق الخبراء، مما يعني أن الجلسة القادمة في ديسمبر ستحمل سيناريوهات أكثر تعقيداً وتحديات دبلوماسية أكبر تستدعي استنفاراً كاملاً للجاهزية الرسمية.
وعلى الرغم من أهمية السجال الدبلوماسي الجاري في نيويورك، فإن القناعة الراسخة لدى الشارع السوداني والقيادة العسكرية تشير إلى أن القرارات الدولية لا تصنع الواقع على الأرض. فالمعارك الحقيقية والفاصلة تدور رحاها في محاور كردفان ودارفور والنيل الأزرق، حيث تواصل القوات المسلحة تقدمها الميداني وثباتها العسكري بثبات، بينما استمرت سلاسل الإمداد الخارجية للمليشيا بالعبور دون اعتبار للقرارات الدولية. وبالتالي، فإن القول الفصل في رسم مستقبل البلاد لن يكتبه مجلس الأمن، بل تصنعه إرادة الجيش والشعب في أرض الميدان.
