"السفينة الغارقة".. هل تهز موجة الانشقاقات بنية الدعم السريع وتغيّر خريطة النزاع الميداني؟

"السفينة الغارقة".. هل تهز موجة الانشقاقات بنية الدعم السريع وتغيّر خريطة النزاع الميداني؟

تقرير - السودان الآن


تتزايد التساؤلات في الأوساط العسكرية والسياسية حول مدى تأثير الانشقاقات المتلاحقة داخل صفوف قوات الدعم السريع على تماسك هيكلها الميداني ومستقبل سيطرتها الجغرافية. وتأتي هذه التطورات في أعقاب سلسلة من الانسحابات والتحولات التي طالت قيادات بارزة وعناصر ميدانية وسياسية، مما ألقى بظلاله على طبيعة المواجهات الجارية وأعاد تشكيل خريطة السيطرة والنفوذ في عدة محاور حيوية بالبلاد.


وكان تحول موقف القائد السابق لـ "درع البطانة" أبو عاقلة كيكل وانضمامه إلى القوات المسلحة السودانية بكامل قواته قد شكل محطة فارقة في مسار المعارك بولاية الجزيرة، حيث تسبب ذلك التحول في انكسار ميداني متسارع للانتشار العسكري لقوات الدعم السريع وانحسار وجودها في الولاية. ولم تتوقف هذه الديناميكية عند محطة الجزيرة، بل امتدت لتشمل انشقاق قيادات عسكرية وسياسية أخرى عقب التحولات الميدانية في الخرطوم وسنار، وصولاً إلى إعادة التموضع في دارفور وكردفان، وآخرها إعلان انضمام مجموعة جديدة بقيادة العقيد محمد صالح يونس تضم مئات الأفراد وعدداً من السيارات القتالية والضباط برتب مختلفة إلى صفوف الجيش.

تآكل العقيدة القتالية وفرار القيادات في ظل الحصار الميداني


ويرى الخبراء والمحللون العسكريون أن هذه الانشقاقات المتتالية الميدانية منها والسياسية، وعلى رأسها خروج قادة مثل علي رزق الله المشهور بـ "السافنا" والنور قبة، إلى جانب شخصيات سياسية ككبير المفاوضين السابق فارس النور، قد وجهت ضربات متلاحقة لبنية قوات الدعم السريع وأفقدتها أجزاءً مقدرة من قواها التنظيمية والمعنوية. وتعود هذه الظاهرة في جانب منها إلى طبيعة التكوين العقدي والسياسي للشبكات المسلحة المنتسبة لها، حيث يعتمد استمرار الولاء والتنسيق في هذه التشكيلات على استمرار السيطرة وتحقيق المكاسب الميدانية، بينما يؤدي الحصار المتواصل وتراجع الموقف العسكري إلى تسريع ظاهرة التخلي والفرار.


وفي هذا السياق، تشير القراءات العسكرية إلى أن استطالة أمد النزاع لثلاث سنوات أدت إلى تشكل قناعة لدى قطاعات من المنتسبين والمقاتلين بعدم جدوى الاستمرار في مواجهة مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، خاصة مع مشاهدة مآلات المواجهات السابقة في العاصمة والولايات الأوسطى. وتُفسَّر هذه الانشقاقات بحالة القفز من التشكيلات المتراجعة بحثاً عن مخرج أمني وسياسي، في وقت تواصل فيه القوات المسلحة تقدمها لتضييق الخناق على الجيوب المتبقية، مما يجعل من الانحياز للجيش خياراً متزايداً للراغبين في تفادي الاستنزاف الميداني.

أزمة التماسك الداخلي وتراجع القيادات التاريخية في حروب الاستنزاف


وعلى الصعيد السياسي والتحليلي، يعزو متابعون اتساع نطاق التفكك الداخلي إلى طبيعة التأسيس الأولى لهذه التشكيلات المسلحة، والتي افتقرت إلى عقيدة مؤسسية وطنية عابرة للانتماءات الأسرية والمناطقية. وقد تسبب هذا النمط التنفيذي في خلق أزمات جانبية واحتكاكات قبلية حادة في مناطق النفوذ الرئيسية بدارفور، مما أضعف حالة الانسجام الداخلي وعقّد من قدرة القيادة على فرض الانضباط والسيطرة، خصوصاً مع دخول الأسلحة النوعية والطائرات المسيرة في النزاعات المحلية بين المكونات الاجتماعية بالمنطقة.


كما يبرز عامل فقدان الخبراء الميدانيين والقيادات التاريخية المؤثرة جراء حروب الاستنزاف المتواصلة كأحد أهم أسباب اختلال القيادة والسيطرة. فقد أدى غياب القادة الميدانيين الأساسيين الذين اعتمدت عليهم المجموعة في البدايات إلى فراغ قيادي أُجبرت القيادة معه على الاستعانة بعناصر خريطة النفوذ الأجنبي أو المرتزقة لتعويض النقص العادي في الكوادر القتالية. ويُضاف إلى ذلك حالة السخط الشعبي والقبلي الناجمة عن التجاوزات الميدانية واستهداف مناطق ورموز أهلية تاريخية، وهو ما يدفع قيادات أسرية ومحليّة مؤثرة إلى مراجعة تحالفاتها والانفصال عن التشكيل المسلح.

دور الخطاب القومي وضمانات الدولة في تشجيع خروج المترددين


من جهة أخرى، يلعب الخطاب الإعلامي الرسمي الصادر عن قيادة الدولة والقوات المسلحة دوراً محورياً في اتساع ظاهرة المغادرة والانشقاق. فقد ساهم التأكيد المستمر من قبل القوات المسلحة على أن الحرب ليست موجهة ضد أي مكون اجتماعي أو قبلي محدد، وإنما تستهدف السلوك المسلح والانتهاكات المباشرة، في تبديد المخاوف لدى القوى الاجتماعية المترددة. كما أن التزام السلطات بالعفو العام واستقبال المنشقين وتقديم التسهيلات الأمنية لهم، وفّر مخرجاً عملياً للراغبين في الاستفادة من هذه الفرص بدلاً من الاستمرار في قتال بلا أفق.


وفي المقابل، فإن الخطابات الصادرة عن الإعلام الموازي للدعم السريع، والتي تحاول التقليل من شأن هذه الحركة والتصريح بعدم المبالاة تجاه المغادرين، تعكس حساسيّة الأزمة الداخلية وعجز الخطاب الدعائي عن تقديم إجابات موضوعية لأسباب التآكل التنظيمي. وتتجاوز هذه الانشقاقات كونها مجرد انسحابات فردية لتكشف عن اختلالات عميقة في منظومة الإمداد والسيطرة والتماسك النفسي والعسكري للتشكيلات الميدانية.

حدود التأثير الميداني والكتلة الصلبة في حسابات المعركة القادمة


وفي المقابل، تذهب تحليلات أخرى إلى التريث في تقدير الحجم الفعلي لهذه الانشقاقات ومدى قدرتها على حسم الصراع بشكل مباشر في الوقت الراهن. ويستند هذا الرأي إلى أن التشكيل الأساسي للدعم السريع لا يزال يحتفظ بكتلته الصلبة وبتدفقات مالية ونفوذ أمني ومجتمعي في بعض مناطق السيطرة بشرق وغرب كردفان وولايات دارفور. وبالتالي، فإن الانشقاقات التي حدثت حتى الآن -على الرغم من أهميتها الإعلامية والرمزية- لم تؤدِ بعد إلى انهيار كلي في الهيكل الرئاسي أو العسكري المباشر للقوة الضاربة الرئيسية.


ويرى هذا الفريق من المحللين أن بعض الشخصيات المنشقة كانت تحمل بالأساس تقاطعات وخلافات سابقة مع القيادة حول توزيع النفوذ والمكاسب، أو أنها تتحرك وفق حسابات الربح والخسارة المتغيرة بأسلوب قلق. ومع ذلك، تُعتبر هذه التحولات بمثابة "استثمار مستقبلي" وتهيئة لبيئة العمليات؛ إذ توفر للقوات المسلحة اختراقات استخباراتية ومعلوماتية حاسمة، وتفتح منافذ آمنة للقبائل والإدارات الأهلية للانحياز للجيش كلما زاد الضغط العسكري الميداني وتوسعت رقعة تقدم القوات المسلحة نحو إقليمي كردفان ودارفور.