شمال دارفور من الخرطوم.. حكومة الولاية تواجه أسئلة النازحين والمرتبات وغياب الإيرادات..
✍️ /زمزم خاطر
في لقاء حمل أكثر من دلالة، اجتمع والي ولاية شمال دارفور، الحافظ بخيت محمد، بعدد من صحفيي وإعلاميي الولاية المقيمين في الخرطوم، في محاولة لفتح نافذة مباشرة بين حكومة الولاية ووسائل الإعلام ، في وقت تعيش فيه شمال دارفور واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب.
اللقاء، الذي عُقد بمقر حكومة ولاية شمال دارفور بالخرطوم، لم يكن مناسبة إعلامية بروتوكولية بقدر ما كان جلسة استماع وتنوير حول ملفات شائكة تتصل بحياة آلاف النازحين، ومرتبات العاملين بالدولة، وتوقف الإيرادات، ومستقبل المؤسسات الإعلامية، إلى جانب التعليم والصحة وأسر الشهداء.
وحضر اللقاء إلى جانب الوالي عدد من أعضاء حكومة الولاية، بينهم المدراء العامون لوزارات ( الصحة، والتربية والتعليم، المالية، الرعاية والتنمية الاجتماعية، ومفوض العون الإنساني، والأمين العام لحكومة الولاية).
النازحون في مقدمة الأسئلة..
كان ملف النازحين أحد أبرز الملفات التي طُرحت خلال اللقاء، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من أبناء شمال دارفور في مراكز إيواء ومناطق نزوح خارج الولاية.
وأكد الوالي أن توفير الغذاء والرعاية الصحية للنازحين يأتي في مقدمة أولويات حكومته، في ظل الظروف الإنسانية التي فرضتها الحرب وتداعياتها على سكان الولاية.
وفي السياق ذاته، قدمت المدير العام لوزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية، د/ بدور آدم أحمد، تنويراً حول جهود الوزارة في حصر وتسجيل نازحي شمال دارفور الموجودين في الخرطوم ، باعتبار أن عملية الحصر تمثل خطوة أساسية لمعرفة حجم الاحتياجات وتحديد الفئات المستهدفة بالدعم والخدمات.
ويطرح هذا الملف سؤالاً أوسع حول قدرة المؤسسات الولائية على متابعة أوضاع مواطنيها خارج الحدود الجغرافية للولاية، في ظل استمرار النزوح واتساع رقعته نتيجة الحرب.
الحرب وانعكاستها على مرتبات العاملين..
ومن أكثر الملفات التي أثارت اهتمام الصحفيين قضية مرتبات العاملين بولاية شمال دارفور، والتي أوضح المدير العام لوزارة المالية بالولاية، عبد المولى آدم حماد، أنها أقل من مرتبات العاملين في عدد من الولايات الأخرى.
وقدم حماد تفسيراً يرتبط بصورة مباشرة بالوضع الاقتصادي الذي خلفته الحرب، موضحاً أن الولاية فقدت مصادر إيراداتها عقب سقوط مدينة الفاشر، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الموارد المالية المتاحة لحكومة الولاية.
كما تناول اللقاء قضية العلاوات وبدل الوجبة والترقيات، حيث أوضح مدير عام المالية أن وزارة المالية الاتحادية لم تصدر، حتى الآن، منشوراً عاماً يطبق هذه الاستحقاقات على حكومات الولايات، مشيراً إلى أن غالبية المنشورات المتعلقة بهذه المسائل تخص الوزارات والمؤسسات الاتحادية.
وتضع هذه القضية العاملين في الولاية أمام واقع اقتصادي أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمرتبات.
التعليم والصحة.. خدمات تحت ضغط الحرب..
لم تقتصر النقاشات على الجوانب المالية والإنسانية، إذ حضرت قضايا التعليم والصحة بقوة خلال اللقاء.
وقدم المسؤولون المشاركون توضيحات حول أوضاع القطاعين والجهود المبذولة للحفاظ على الخدمات الأساسية، في وقت تسببت فيه الحرب في تعطيل عدد كبير من المؤسسات ونزوح الكوادر وتراجع قدرة الدولة على الوصول إلى مواطنيها في المناطق المتأثرة بالنزاع.
ويظل التحدي الأكبر أمام حكومة الولاية هو الانتقال من مجرد إدارة الأزمة إلى استعادة الحد الأدنى من انتظام الخدمات، خصوصاً بالنسبة للنازحين والأسر التي فقدت مصادر دخلها أو منازلها بمناطق تواجدهم في الولابلت الامنة عبر التنسيق مع الجهات ذات الصلة.
الإعلام.. فراغ إداري وسط أزمة معلومات..
ولعل من أكثر الملفات ارتباطاً بطبيعة اللقاء نفسه قضية المؤسسات الإعلامية في شمال دارفور.
فقد طُرح خلال اللقاء سؤال حول الفراغ الإداري في عدد من المؤسسات الإعلامية بالولاية، وما إذا كانت حكومة الولاية تعتزم معالجة الأمر.
وجاء رد الوالي بأن الأولوية الحالية للحكومة تنصب على الوزارات الخدمية، لكنه أكد أن ملف المؤسسات الإعلامية سيُعالج قريباً.
وفي الوقت نفسه، أكد الحافظ بخيت محمد استعداد حكومته للتعاون مع الإعلام، بما في ذلك إتاحة المعلومات حول أوضاع المواطنين والجهود الحكومية المبذولة لمعالجة الأزمة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ولاية تعاني من حرب ونزوح وانقطاع أو ضعف قنوات المعلومات، إذ لا يقتصر دور الإعلام في مثل هذه الظروف على نقل الأخبار، وإنما يمتد إلى رصد الاحتياجات، والتحقق من المعلومات، ونقل أصوات المتضررين، ومساءلة المسؤولين عن مستوى الخدمات.
ومن هنا، فإن معالجة الفراغ الإداري في المؤسسات الإعلامية لا تبدو قضية تنظيمية فقط، بل ترتبط أيضاً بقدرة الولاية على بناء منظومة إعلامية قادرة على مواكبة التطورات ونقل المعلومات إلى المواطنين.
حكومة الولاية تفتح أبوابها للإعلام..
من جانبه، أكد الأمين العام لحكومة ولاية شمال دارفور، معتصم جماع آدم، أن أبواب الحكومة مفتوحة أمام الصحفيين والإعلاميين، داعياً إلى التواصل المباشر مع الوزارات لمعرفة مستوى سير الخدمات والوقوف على القضايا التي تهم المواطنين.
هذه الرسالة حملت أهمية خاصة للصحفيين، في ظل صعوبة الحصول على المعلومات خلال فترات الحرب، وتزايد الحاجة إلى مصادر رسمية يمكن الرجوع إليها للتحقق من المعلومات والأرقام والقرارات الحكومية.
صحفيو الولاية: الإعلام شريك في مواجهة الأزمة..
في المقابل، عبّر الصحفيون والإعلاميون المشاركون في اللقاء عن تقديرهم للجهود التي تبذلها حكومة الولاية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مؤكدين أهمية استمرار التواصل بين المؤسسات الحكومية والإعلام.
كما شددوا على ضرورة توحيد الجهود الإعلامية بما يخدم مواطني شمال دارفور، ويساعد في إيصال أصوات النازحين والمتضررين، والتعريف بالمبادرات الإنسانية والخدمية، مع أهمية توفير المعلومات الدقيقة وفي الوقت المناسب.
ما بعد اللقاء.. أسئلة تنتظر الإجابات
ورغم أهمية اللقاء باعتباره مساحة مباشرة للحوار بين حكومة الولاية والإعلاميين، فإن عدداً من القضايا التي طُرحت تظل بحاجة إلى متابعة عملية، أبرزها: حجم الموارد التي فقدتها الولاية بعد سقوط الفاشر، ومصادر تمويل الخدمات الحالية، وعدد النازحين الذين تم حصرهم وتسجيلهم في الخرطوم، وحجم الدعم الذي وصل إليهم، إضافة إلى مستقبل المؤسسات الإعلامية الولائية ووضع العاملين فيها.
فاللقاء لم يقدم فقط صورة عن أولويات حكومة شمال دارفور، وإنما كشف أيضاً حجم التعقيدات التي تواجهها الولاية: موارد محدودة، أعداد كبيرة من النازحين، خدمات تحت الضغط، موظفون ينتظرون استحقاقاتهم، ومؤسسات إعلامية تعاني فراغاً إدارياً في وقت تحتاج فيه الولاية إلى إعلام مهني وفاعل أكثر من أي وقت مضى.
وبالنسبة للصحفيين والإعلاميين، فإن أهمية اللقاء لا تنتهي بانتهاء الجلسة؛ بل تبدأ من بعدها، عبر تحويل ما طُرح من قضايا إلى ملفات متابعة، وطرح الأسئلة بالأرقام، ومراقبة ما إذا كانت الوعود والتعهدات ستتحول إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطنون.
ففي شمال دارفور، لا يزال المواطن هو العنوان الأهم لكل هذه الملفات، من النازح الذي ينتظر الغذاء والدواء، إلى الموظف الذي ينتظر راتبه، والطالب الذي ينتظر مقعده الدراسي، والأسرة التي فقدت معيلها، والصحفي الذي يبحث عن المعلومة ليؤدي دوره في نقل الحقيقة.
