تداعي الميدان وانكسار الرهان.. هل كشف خطاب "حميدتي" عن بداية النهاية لميليشيا الدعم السريع؟
تقرير - السودان الآن
شهدت ولاية شمال كردفان تحولاً عسكرياً فارقاً مع إشراقة فجر الأحد الماضي، عقب نجاح القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها في إعادة فرض سيطرتها المطلقة على سلسلة من الحواضر والمواقع الميدانية الحاكمة التي كانت تقبع تحت نفوذ قوات الدعم السريع، وفي مقدمتها مدن بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة. وتُعد استعادة هذا المحور مكسباً جغرافياً وعسكرياً رفيع المستوى للجيش السوداني؛ كونه نجح في قطع خطوط الإمداد الحيوية وتأمين الطوق الأمني الممتد نحو العاصمة، فضلاً عن ربط المحاور الشمالية بشرق البلاد وغربها، مقتطعاً الشريان اللوجستي الذي اعتمدت عليه الميليشيا لإحكام قبضتها على المنطقة لعدة أشهر.
وجاء هذا التقدم الكاسح امتداداً لعمليات ضارية سبقتها بأسابيع على محور إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، حيث كبدت القوات المسلحة الميليشيا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، لتتوج المعارك بفرار عناصر الدعم السريع وترك ترسانة عسكرية ضخمة شملت منظومات دفاع جوي، وطائرات مسيرة، وصواريخ، ومدرعات، وأجهزة اتصالات متطورة، إلى جانب كميات هائلة من الذخائر والأسلحة الثقيلة والخفيفة التي عجزوا عن الصمود بها أمام الهجوم التكتيكي المركز للجيش.
وعلى الصعيد الشعبي، أحدث هذا التحول العملياتي الكبير موجة عارمة من الارتياح والابتهاج في أوساط المواطنين الذين خرجوا بكثافة إلى شوارع وميادين ولاية شمال كردفان يهتفون دعماً ومؤازرة للقوات المسلحة؛ تعبيراً عن فرحتهم الجارحة بتحرير مناطقهم بعد فترة عصيبة قضوها تحت سيطرة وعسف قوات الدعم السريع وما رافقها من انتهاكات وتضييق. كما تنفس سكان مدينة الأبيض الصعداء إثر انقشاع مخاوف الحصار الشديد الذي فرضته الميليشيا لأسابيع طوال، وتبدد الهواجس المتصاعدة من تكرار المشاهد القاسية التي شهدتها مدينة الفاشر. إن عودة السيطرة الرسمية على هذه المدن الحاكمة لم تقتصر على إنقاذ المنطقة من طوق الخناق فحسب، بل منحت القيادة العامة مرونة ميدانية للانفتاح نحو باقي الجيوب المتاخمة، مما يجعل من هذه المعركة محطة مفصلية تُقرب القوات المسلحة من وضع حد نهائي لتواجد الميليشيا المتمردة في أقاليم الوسط والغرب.
ارتباك القيادة وتخبط الميدان: تفكيك الشكل السياسي والتنظيمي لخطاب "الرسالة"
وعلى خلفية هذه الانتكاسات الميدانية المتلاحقة، أطل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي"، مساء الاثنين الماضي، عبر مقطع فيديو جرى تداوله على منصات التواصل الاجتماعي، موذناً بما سماه "رسالة" موجهة إلى عناصره الميدانية. وجاء هذا الظهور حافلاً بدلالات واضحة توقف عندها الخبراء والمحللون الاستراتيجيون؛ إذ سادت الخطاب نبرة غضب حادة وانفعال جلي حاول الرجل مواراته عبثاً دون جدوى. وما زاد من غرابة الموقف في العرف العسكري هو توصيف الكلمة بـ"الرسالة" وبثها عبر أثير السوشيال ميديا، وهو سلوك يبتعد تماماً عن تقاليد الأوامر الصارمة التي تُدار حكماً عبر غرف السيطرة والتراتبية التنفيذية. كما جاء ثناؤه على القوات بقوله "ما قصرتوا" مناقضاً لواقع الفرار الجماعي وترك الأسلحة المتطورة في الميدان، وهو ما لا يحدث عادة إلا عند انهيار آليات الربط والانضباط القيادي.
فضلاً عن ذلك، تجلى الفارق بين التخطيط المحترف واللغة المستعملة في الخطاب عندما طالب حميدتي مقاتليه بـ"تغيير اللعبة" بدلاً من استخدام المصطلحات التكتيكية المعتمدة عسكرياً كـ"تحديث الخطة" أو "إعادة التمركز". إن توجيه التعليمات القتالية عبر الفضاء الافتراضي وإلقاء عبء التقدير والقرار الميداني على عاتق قيادات منفصلة يبرهن على أن هذه القوات باتت تعاني من تفكك هيكلي وغياب في نظم الضبط والربط العسكري. ويُعد هذا الخلل التنظيمي الشديد السبب الأساسي وراء مسلسل الهزائم المتتالية التي ظلت تتوالى على الدعم السريع تباعاً منذ إخرجه من ولاية الجزيرة ثم العاصمة الخرطوم، وصولاً إلى فقدانه المواقع الحاكمة في شمال كردفان، ما يضع القيادة في عزلة تامة عن متطلبات إدارة المعركة.
خمس إشارات خطيرة: تفكيك الدلالات الباطنة في عبارات حميدتي
وانطوى الخطاب المتشنج لقائد الدعم السريع على خمس إشارات بالغة الخطورة صيغت في قالب عبارات ذات طابع شفهي يبدو عفويًا، لكنها حملت في ثناياها أبعاداً عملياتية وإنسانية شديدة التعقيد. أولى هذه الرسائل تجسدت في قوله "من اليوم فكينا الرسن"، وهي عبارة تفيد عملياً رفع الكوابح وتفويض عناصر الميليشيا للتصرف بلا ضوابط أخلاقية أو تنظيمية. ويُترجم هذا المفهوم ميدانياً كمنح "صك على بياض" لاجتياح المناطق السكانية، واستخدام المسيرات بلا محددات، والتوسع في أعمال النهب والسلب والتصفيات الجسدية وتدمير الأعيان المدنية للتغطية على الخسائر الميدانية. أما الرسالة الثانية فظهرت في توجيهه "غيروا الطريق الماشين فيه دا"، وهي مقولة تحمل اعترافاً صريحاً بإخفاق الخطط الاستراتيجية السابقة التي قادت قواته إلى هذا المأزق، إلى جانب كونها تحريضاً كاشفاً للجوء إلى أقصى درجات التصعيد والسلوك الانتقامي.
وفي الرسالة الثالثة، جاء قوله "من اليوم نوم ما في.. نكون أو لا نكون" ليعكس تحولاً جذرياً في التموضع العملياتي؛ حيث انتقلت قواته رسمياً من مرحلة التمدد والهجوم لفرض الشروط السياسية إلى طور "الدفاع الوجودي" للحفاظ على البقاء. وتعبير "نكون أو لا نكون" يشير بوضوح إلى شعور القيادة بوطأة الهزيمة ودنو الخطر من معاقلها في المسافة صفر. أما الرسالة الرابعة فكانت الأكثر شؤماً عبر أمره "نضفوا الطابور الخامس"، إذ فتح المجال لقادته الميدانيين لإجراء تصفيات داخلية تطال كل من يُشتبه في عدم ولائه أو تواصله مع القوات المسلحة. وتكمن خطورة هذا الموجه في إشعال حرب تصفيات بين المكونات القبلية والاجتماعية المتباينة التي تتشكل منها الميليشيا، ما يسرّع من وتيرة انقسامها. وأخيراً، جاءت الرسالة الخامسة في وعيده "اللعبة ستتغير وسأكون معكم في الخطوط الأمامية"، وهو وعد استعراضي لرفع المعنويات المتهاوية بين جنوده والمستنفرين صغار السن؛ وهو وعد تدرك القيادات صعوبة تحققه في ظل عزلة القائد، ليبقى مجرد تهديد مكرر لم يثمر في المحطات السابقة سوى مزيد من الانكسار.
النزيف المستمر والانشقاقات الجماعية: التصدع الداخلي يعجل بانهيار الميليشيا
وتأتي هذه الانكسارات الميدانية المتتابعة والخطابات الانفعالية لتعمق حالة التخبط وفقدان البوصلة التي تعيشها المجموعات القتالية التابعة للدعم السريع، حيث سادت القواعد قناعة راسخة بعدم جدوى الاستمرار في حرب خاسرة. ونتج عن هذا الإحباط الداخلي تصاعد لافت في معدلات الانسلاخ والانضمام الفردي والجماعي طواعية إلى القوات المسلحة السودانية بكامل العتاد العسكري. وقد بدأت موجة التصدع الكبير منذ أكتوبر من العام الماضي بانضمام القائد الميداني البارز أبو عاقلة كيكل وقواته للجيش، وهو الانشقاق الذي أحدث ضربة استراتيجية مسددة وساهم مباشرة في تحرير العديد من المدن والمناطق الحاكمة، وفي مقدمتها بارا وجبرة الشيخ.
ولم تقف تداعيات هذا الانهيار التنظيمي عند هذا الحد، بل تواصلت الضربات المتلاحقة بانضمام اللواء النور القبة في أبريل الماضي، متبوعاً بالقائد الميداني "السافنا"، وصولاً إلى استسلام مجموعة قوامها مائتان وثمانون مقاتلاً بعتادهم الكامل للجيش في الخرطوم خلال الأيام القليلة الماضية. إن هذا النزيف المتواصل في العنصر البشري والقيادي، إلى جانب انقطاع خطوط الإمداد وتراجع القدرة على التجنيد، يؤكد أن النجاحات الأخيرة للقوات المسلحة في شمال كردفان ليست مجرد مكسب جغرافي عابر، بل هي زلزال بنيوي يهدد القوة الصلبة لميليشيا الدعم السريع ويدفع بالمشهد كاملاً نحو معركة النهاية المحتومة.
