بوصلة "أديس أبابا" تستقر على "التجميد": مجلس السلم والأمن الأفريقي يرفض إعادة السودان لمقعده ويتمسك بالحل السياسي
في مشهد سياسي معقد يعكس حجم التباين في الرؤى القارية تجاه الأزمة السودانية، أسدل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الستار على اجتماعه الوزاري المنعقد في العاصمة الإثيوبية، متمسكاً بقرار الإبقاء على تجميد عضوية السودان في المنظمة القارية. ورغم التحركات الدبلوماسية المكثفة التي قادتها قوى إقليمية وازنة لرفع التعليق، إلا أن المجلس آثر التريث، واضعاً شروطاً صارمة تتعلق بالعودة إلى المسار الديمقراطي ووقف العدائيات.
انقسام الأروقة وفشل مقترح "فك التجميد"
وكشفت مصادر دبلوماسية مطلعة من داخل أروقة الاتحاد الأفريقي أن الاجتماع الذي ترأسه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، شهد تجاذبات حادة حول شرعية التمثيل السوداني. وبينما بذلت كل من مصر والجزائر جهوداً حثيثة لإجازة مقترح يقضي بإنهاء تجميد العضوية لتمكين السودان من العودة إلى الأسرة الأفريقية، قوبل المقترح بمقاومة من أطراف أخرى رأت في الخطوة "مكافأة" لا تتسق مع معايير الاتحاد بشأن التغييرات غير الدستورية.
وفي خضم هذا الاستقطاب، جدد المجلس التزامه الصارم بسيادة السودان ووحدته، لكنه أعرب في الوقت ذاته عن قلق عميق من استمرار نزيف الدم وتدمير البنية التحتية، محذراً من أن البلاد تواجه كارثة إنسانية غير مسبوقة تضع المكاسب التنموية للعقود الماضية في مهب الريح.
الفاشر في قلب الحدث: إدانات وتحذيرات من المجاعة
ولم يغب الوضع الميداني المتدهور عن طاولة النقاش، حيث أفرد البيان الختامي مساحة واسعة للوضع الإنساني المأساوي، لا سيما في مدينة الفاشر. وأدان المجلس بأشد العبارات الانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين، وخصّ بالذكر قوات الدعم السريع، محملاً إياها مسؤولية عمليات القتل والاستهداف العرقي والتهجير القسري.
ووجه المجلس نداءً عاجلاً لفتح ممرات آمنة للمساعدات، محذراً من تقارير موثوقة تشير إلى تفشي المجاعة في مناطق واسعة. وأكد البيان أن مبدأ "الإفلات من العقاب" قد انتهى، وأن جميع المتورطين في خروقات القانون الدولي الإنساني سيخضعون للمساءلة والملاحقة.
مبادرة "كامل إدريس" وقرار ملاحقة الممولين الخارجيين
وفي خطوة لافتة، رحب المجلس بالتقدم المحرز عبر "المبادرة الوطنية السودانية للسلام" التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس في ديسمبر الماضي. واعتبر المجلس أن بنود المبادرة التي تشمل إصلاح القطاع الأمني، ونزع السلاح، والمصالحة الوطنية، تمثل حجر الزاوية لإعادة بناء النسيج الاجتماعي الممزق.
وعلى صعيد التدخلات الدولية، أظهر المجلس "العين الحمراء" للجهات الخارجية، حيث كلف لجنة العقوبات وآلية "أفريبول" ببدء عملية تقصٍ واسعة لتحديد الدول والجهات التي تمد أطراف النزاع بالسلاح والمال. وأمهل المجلس هذه الآليات ثلاثة أشهر لتقديم قائمة سوداء بالجهات الفاعلة التي تؤجج الصراع، لاتخاذ إجراءات رادعة بحقها.
جدل الشرعية: "تأسيس" تعترض والحكومة تنتقد
وأثار البيان ردود فعل متباينة وصاخبة بين الفرقاء السودانيين. فمن جانبه، انتقد تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) – المرتبط بقوات الدعم السريع – مخرجات الاجتماع، واصفاً إياها بـ "المنحازة" للجيش السوداني. واعتبر التحالف أن رئاسة مصر للدورة الحالية أثرت على توازن القرار، معتبراً أن الاعتراف بحكومة كامل إدريس يمثل "انحيازاً فاضحاً" يقوض حياد الوساطة الأفريقية.
في المقابل، لم تكن الحكومة السودانية راضية تماماً هي الأخرى، حيث وصف وزير الخارجية، محيي الدين سالم، استمرار تعليق العضوية بأنه "قرار متعجل" يفتقر للمراجعة الدقيقة. وأشار سالم إلى أن الحكومة قدمت خريطة طريق واضحة تبدأ بوقف الحرب، لكن "تعنت المليشيات" والدعم الخارجي هما ما يعيقان التقدم.
نحو حوار شامل وبعثة ميدانية مرتقبة
واختتم المجلس قراراته بالتأكيد على "مركزية الاتحاد الأفريقي" في قيادة الحل، رافضاً أي محاولات لإنشاء "حكومات موازية" قد تزيد من تفتيت الدولة. وأعلن المجلس عن نيته إرسال بعثة ميدانية إلى السودان لتقييم الأوضاع على الأرض والتواصل مع كافة أصحاب المصلحة، تزامناً مع الترحيب بعودة المؤسسات الاتحادية للعمل من العاصمة الخرطوم كخطوة رمزية وإدارية هامة.
ويبقى التساؤل قائماً: هل ستنجح الضغوط الأفريقية في تحويل "نوايا" السلام إلى واقع ملموس، أم أن تعقيدات الميدان وتعدد الولاءات الخارجية ستظل الصخرة التي تتحطم عليها أحلام السودانيين في الاستقرار؟
